06 , نوفمبر 2026

القطيف اليوم

الرياضيات والانتظام… من سبق من؟

توفي جدي حجي عبد علي رحمه الله قبل أكثر من خمسين عاما, وقتها كنت طفلا لم ادخل المدرسة بعد. تخيّل أنني كنت قد سألته عن الرياضيات (الحساب وقتئذ)، فربما نظر إلي مستغرباً وقال: يا ولدي، أي رياضيات أي خرابيط؟ أنا أعرف أن نخجة ونخجة نخجتين! وقد يضيف متبسما: وهل تحتاج التمرات إلى معلم رياضيات حتى نحسبها؟

لكن الطريف في الأمر أن جدي على بساطته كان يمارس الرياضيات بالفعل، حتى وإن لم يكن يعرف اسمها الأكاديمي. فهو حين كان يعدّ محصول النخيل، أو يحسب ما صاده من سمك، أو يقسم التمر بين أبنائه، كان بالفعل يستخدم فكرة العدد التي هي نفسها نستخدمها اليوم في المعادلات والرموز. غاية ما في الامر ان الذي تغيّر هو صميم اللغة وطريقة التعبير عنها، أما فكرة العدّ بذاتها فكانت حاضرة في حياة اجدادنا منذ زمن بعيد.

والأمر لا يتوقف عند العدّ فحسب, لقد نظر بتأمل للنجات التي كانت تجوب البحر، وكيف كان النوخذة يستدل بالنجوم على موقع الصيد وموطن الخور، ويحسب المسافات والأوقات المواتية للإبحار، ويترقب اتجاه الريح ويكشف القناع عن التيارات البحرية وما قد يختبئ في طياتها. كما تمعن في النخلة، من كربها إلى سعفها، وما يختلج عليه نموها من تكرار وأنماط. لم يكن أجدادنا بحاجة إلى صياغة معادلة رياضية حتى يتعاملوا مع هذه الروابط لاستخلاص القواعد منها؛ فقد كانت الرياضيات حاضرة في ممارساتهم اليومية بصورة عفوية.

بعد هذا التمهيد, دعني اطرح عليكما قارئنا العزيز وقارئتنا العزيزة بعض الاسئلة المحورية التي سيتمركز حولها هذا المقال: هل كانت الرياضيات موجودة في صميم حياتنا اليومية، أم أن العقل البشري هو الذي انتزع مفاهيم الرياضيات من خلال التعاملات الروتينية؟ وهل للرياضيات أصلاً أي وجود مادي، أم أنها واقع يستحيل علينا ان نراه، الا اننا مضطرون لاستخدامه حتى نفهم ما نعيش من حقيقة؟ بلهجة عامية, هل الدجاجة قبل البيضة ام بعدها؟

لنفترض أن لدينا سمكتين. نستطيع أن نلمس السمكتين ونشم رائحتهما، لكن أين نجد العدد اثنين بين تلك الزعانف؟ هل للعدد اي وزن أو لون أو حجم, ام هل من شانه شغل حيز من الفراغ؟ بالطبع جوابك سيكون بلا. فالعدد اثنان لا يسكن بين ثنايا النخجة ولا تحت سفطة السمكة ولا بين طيات التمرة. ومع ذلك، نستطيع أن نستخدمه لوصف كل قطعة من تلك التشكيلات. هنا يبرز الاحتمال الأول: أن الرياضيات انما هي انتزاع عقلي من صميم الواقع المحسوس. فنحن نلاحظ أن أشياء مختلفة تشترك في كمية واحدة، ثم نجرد هذا الميزان من طبيعة المعيار ونسميها عدداً. وبالطريقة نفسها نستنبط مفاهيم الطول والمسافة والتساوي والتناسب بين المقادير التي نتصرف بها.

لكن هل يعني ذلك أن الأعداد مجرد اختراع في أذهاننا, من غير وجود واقعي لها في الخارج؟ هنا يتضح الاحتمال الثاني، وهو أن الحقائق الرياضية لها وجود مستقل عن العقل البشري, وان لم نشخص ذلك الواقع (الوهمي). فالعدد اثنان، والعلاقة بين محيط الدائرة وقطرها، لا تتغير بتغير أذهاننا. نحن لا نقرر أن مجموع اثنين واثنين يساوي أربعة، ولا نستطيع أن نجعل النتيجة خمسة لمجرد أننا نحبذ ذلك. وفق هذا التصور، نحن لا نخترع الحقائق الرياضية وإنما نستكشفها، كما نستخلص الحقائق الملموسة الأخرى كالحرارة والبرودة مثلا. وهذا ما يُعرف بالتصور الأفلاطوني للرياضيات، الذي يقرر أن لها وجوداً مجرداً مستقلاً، وإن لم يكن ذلك التمظهر مادياً بحيث يمكن احكام القبضة عليه.

اما الاحتمال الثالث فهو قائم على النظر إلى المسألة من زاوية مغايرة. فربما لا تكون الأعداد هي جوهر الرياضيات، وإنما العلاقات والأنماط هي التي تنتظم بينها. خذ مثلاً حركة اللنج في البحر؛ فالمهم ليس مقدار العقد البحرية وحدها، وإنما العلاقة بين المسافة والوقت والسرعة. وإذا تغيرت سرعة المركب تغير تبعا لذلك الزمن اللازم لقطع تلك المسافة الجديدة. هذا التلازم يمكن التعبير عنه رياضياً، سواء كنا نتحدث عن لنج صغير في الخليج أو عن مركبة فضائية تقطع ملايين الكيلومترات, الامر سواء. وكذلك في مثال النخلة، حيث نجد أنماطاً من الترتيب والتكرار والتناسب، مما يمكن وصفه جميعا بلغة رياضية, ذات ابعاد استنباطية وتنبؤية. حسب هذه الرؤية، فان الرياضيات هي لغة تكشف عن التراكيب والعلاقات المنتظمة في الطبيعة، غاية ما في الباب اننا نحن من نصوغ رموزها ونجد من خلالها أنماطاً لم نكن نعرفها من قبل.

دعني افاجئك بسؤال بريئ: لو لم يوجد الإنسان قط، ولم يوجد هناك عقل يكتب المعادلات أو يضع الرموز، فهل كانت الأرض ستواصل دورانها حول الشمس؟ وهل كانت الأجرام السماوية ستظل تتجاذب مع بعضها البعض بنفس الوتيرة؟ وهل كانت موجات البحر ستنتظم وفق خصائصها الفيزيائية الحالية؟ بالتأكيد نعم. فالكون لم يكن يوما لينتظر ظهور الإنسان الاول حتى يبدأ بالانتظام, بعد البعثرة. لكن هل يعني ذلك أن الرياضيات كانت موجودة أيضاً بين ثناياه, قبل بزوغ فجر البشرية الاولى على وجه البسيطة؟ يتوقف الجواب على ما نعنيه بوجودها. فإذا قصدنا الرموز والمعادلات والكتب، فهي بالبديهة من صنع الإنسان. اما إذا اردنا العلاقات والحقائق المجردة، فهنا تختلف الفلسفات وتتناحر الهرطقات. القدر المتيقن ان انتظام الكون الذي نصفه بالرياضيات، انما هو قائم ومستمر بصرف النظر عن إدراكنا له من عدمه.

واللافت أن الرياضيات استطاعت أن تصف ظواهر في الطبيعة لم يكن الإنسان قد اكتشفها بعد, حين وضع تلك المعادلات. وهذا ما جعل الفيزيائي يوجين فيغنر يتحدث عن الفعالية المدهشة للرياضيات في توضيح نسيج العلوم الطبيعية. فكيف لأداة عقلية أن تصف العالم الخارجي بهذه الدقة؟ ولماذا تبدو الطبيعة وكأنها تتحدث بلغة الأرقام والعلاقات؟

أما أنا العبد الفقير, فأميل إلى أن انتظام الكون سابق على وعينا به، وأن العقل البشري لم يمنح الكون قوانينه، وإنما وهب تلك القوانين لغة يستطيع بها فهمها والتعبير عنها. فالرياضيات ليست جسماً مادياً يسكن الكون، لكنها أيضاً ليست وهماً من بنات افكار العقل. أرى انها تجرد عقلي محض يكشف عن ارتباطات حقيقية في عالم مادي. دورنا ينحصر في انتزاع مفاهيمها من الواقع، واكتشاف حقائقها، واستخدام بنيتها لوصف انتظام الكون.

نختم ثرثرتنا بمثال البيضة والدجاجة. فالسؤال عن أيهما سبق الآخر قد لا يكون دائماً تساؤلا عن الأولوية الزمنية، بقدر ما هو محاولة لفهم العلاقة بين الطرفين. وعليه سنقيس العلاقة بين الرياضيات والانتظام بنفس المسطرة. فالكون ينتظم دون أن يحتاج إلى من يصفه، والعقل يصوغ الرياضيات دون أن يستطيع فرضها على الكون. وبين الاتجاهين، تقاذفتنا الاحتمالات ونحن نعدّ النخج والسمك والتمر، إلى التنبؤ بمسارات اللنجات، انتهاء بملاحظة حركة الكواكب والمجرات. يالها من جولة طويلة بدأت من زعنفة، وحطت رحالها على أبواب الثقوب السوداء.


error: المحتوي محمي