لم يعد الحديث عن الإنترنت في الأسرة حديثًا عن وسيلة تقنية إضافية، بل عن بيئة جديدة تعيش الأسرة جزءًا كبيرًا من حياتها داخلها. فالتعليم، والعمل، والتواصل، والترفيه، والتسوق، والخدمات الحكومية والمصرفية، والعلاقات الاجتماعية، أصبحت جميعها ترتبط بدرجات متفاوتة بالعالم الرقمي.
وتكشف إحصاءات واستخدام تقنية المعلومات والاتصالات للأسر والأفراد لعام 2025 عن حجم هذا التحول بصورة واضحة، إذ بلغت نسبة الأفراد الذين يستخدمون الإنترنت في المنطقة الشرقية 99.52%، مقابل %98.96 على مستوى المملكة.
هذه النسبة المرتفعة تستحق أن نتوقف أمامها، ليس من زاوية تقنية فحسب، وإنما من منظور أسري واجتماعي، وتربوي ونفسي وصحي.
ماذا يعني أن يستخدم الإنترنت 99.52% من الأفراد في المنطقة الشرقية؟
يعني ذلك أننا أمام مجتمع أصبح الاتصال الرقمي جزءًا شبه شامل من حياته اليومية، فالإنترنت لم يعد نشاطًا يمارسه بعض أفراد الأسرة في أوقات محددة، وإنما أصبح حاضرًا في المنزل والمدرسة والعمل والسيارة والمجالس الاجتماعية، وفي كثير من تفاصيل الحياة اليومية.
وهنا يتغير السؤال من:
هل نسمح لأبنائنا باستخدام التقنية؟
إلى سؤال أكثر واقعية: كيف نساعد أبناءنا وأسرنا على استخدام التقنية بطريقة تحقق فوائدها وتقلل مخاطرها؟ فالعودة إلى مجتمع بعيد عن التقنية لم تعد خيارًا واقعيًا، بينما أصبحت التربية على الاستخدام الواعي والمتوازن ضرورة أسرية وتربوية.
الهاتف المحمول أصبح بوابة الحياة الرقمية
تعزز الإحصاءات الوطنية هذه الصورة، إذ بلغت نسبة استخدام الهاتف المتنقل للوصول إلى الإنترنت 98.35%.
وهذا يعني أن الوصول إلى العالم الرقمي أصبح متاحًا للفرد بصورة شبه دائمة، في السابق كان استخدام الإنترنت مرتبطًا بمكان محدد وجهاز حاسب موجود غالبًا في مساحة مشتركة داخل المنزل. أما اليوم، فقد انتقل الإنترنت إلى هاتف شخصي يحمله الفرد معه أينما ذهب، وهذا التحول له دلالة تربوية كبيرة، فالطفل أو المراهق لا يدخل العالم الرقمي فقط عندما تجلس الأسرة أمام جهاز يمكن متابعته، وإنما قد يحمله في جيبه، ويدخل من خلاله إلى المحتوى والألعاب والأصدقاء والمؤثرين والمنصات في أي وقت، لذلك أصبحت التربية الرقمية أصعب من مجرد مراقبة جهاز.
عندما تجتمع الأسرة… هل هي مجتمعة فعلًا؟
قد يجلس الأب والأم والأبناء في غرفة واحدة، بينما يكون كل واحد منهم منشغلًا بشاشته الخاصة، هم قريبون مكانيًا، ولكن المسافة بينهم قد تكون كبيرة في الانتباه والحوار والمشاركة العاطفية، وهنا تظهر إحدى المفارقات التي فرضها العصر الرقمي: التقنية التي جعلت التواصل مع البعيد أكثر سهولة قد تجعل التواصل مع القريب بحاجة إلى جهد أكبر.
وهذا لا يعني أن الهاتف أو الإنترنت مسؤولان وحدهما عن ضعف العلاقات الأسرية، فالعلاقات الإنسانية أكثر تعقيدًا من أن نفسرها بعامل واحد، لكن كثافة الاستخدام قد تزاحم الوقت المخصص للحوار واللعب المشترك والزيارات والنشاط البدني والنوم والتواصل المباشر، ومن هنا تصبح القضية قضية إدارة وقت وانتباه وعلاقات، وليست مجرد إدارة أجهزة.
الطفل الرقمي مختلف عن طفل الأمس
الطفل اليوم لا يتعلم من والديه ومدرسته ومحيطه الاجتماعي فقط، هناك مصادر أخرى تشارك بصورة متزايدة في تشكيل معرفته واهتماماته، مثل منصات الفيديو والألعاب الإلكترونية وشبكات التواصل وصناع المحتوى والمؤثرين ومحركات البحث والتطبيقات المختلفة.
وتظهر الإحصاءات الوطنية لعام 2025 أن %85.72 من استخدام الأطفال للإنترنت يرتبط بأداء الواجبات المدرسية المنزلية، بينما بلغت نسبة الاستخدام للترفيه %79.21، وللتفاعل الاجتماعي %49.23، ولتعلم مهارات جديدة %44.44، وهذا يكشف جانبًا مهمًا:
الإنترنت ليس خصمًا للتربية أو التعليم بالضرورة
فهو في الوقت نفسه مساحة للتعلم والمعرفة وتنمية المهارات والتواصل والترفيه، المشكلة ليست في وجود التقنية، وإنما في نوع الاستخدام، ومدته، وعمر الطفل، والمحتوى الذي يتعرض له، وقدرته على التمييز والنقد، ومدى حضور الأسرة في حياته الرقمية.
أثر تعليمي يحمل فرصًا كبيرة
ترى الأسر، وفق الإحصاءات الوطنية، أن الإنترنت يسهم في توفير الوصول إلى المصادر التعليمية للأطفال بنسبة %80.51، وفي تطوير المهارات الرقمية بنسبة %60.13، وتحسين مهارات الاتصال والتعاون بنسبة %54.25، وتعزيز الإبداع بنسبة %50.97، هذه الأرقام تجعل من الخطأ النظر إلى التقنية من منظور المخاطر فقط، فالطفل يستطيع اليوم الوصول إلى مكتبات ومصادر تعليمية ودروس ومواد مرئية وتجارب علمية ومحتوى معرفي لم تكن متاحة للأجيال السابقة بهذه السهولة، والتحدي الحقيقي أمام الأسرة والمدرسة هو:
كيف ننتقل بالطفل من مجرد استهلاك المحتوى إلى التعلم والإبداع وصناعة المعرفة؟ فالفرق كبير بين طفل يقضي ساعتين متنقلًا بصورة عشوائية بين المقاطع، وطفل يستخدم جزءًا من الوقت نفسه لتعلم لغة أو مهارة أو البحث عن معلومة أو إنتاج محتوى مفيد.
لكن الوقت أصبح قضية أسرية
تكشف الإحصاءات الوطنية أن %52.89 من الأفراد يقضون من ثلاث إلى ست ساعات يوميًا في استخدام الإنترنت، بينما يقضي %15.76 سبع ساعات فأكثر، ولا تعني هذه الأرقام بالضرورة أن كل هذا الوقت استخدام ضار؛ فقد يتضمن العمل والدراسة والخدمات والتواصل والترفيه، لكنها تدفع الأسرة إلى طرح سؤال مهم:
كم بقي من اليوم للحياة خارج الشاشة؟
كم بقي للنوم الكافي؟ وللنشاط البدني؟ وللحديث مع الأبناء؟ وللقراءة؟ وللزيارات العائلية؟ وللهوايات؟ وللجلوس الهادئ بعيدًا عن التنبيهات والمحتوى المتدفق؟
لذلك ينبغي ألا تقتصر مناقشة الوقت الرقمي على عدد الساعات فقط، وإنما تشمل أيضًا ما الذي يفعله الفرد خلال هذه الساعات، وما الذي أزاحه الاستخدام الرقمي من حياته.
البعد النفسي… الانتباه أصبح موردًا ثمينًا
في البيئة الرقمية يتعرض الإنسان لسيل مستمر من الرسائل والتنبيهات والصور والمقاطع والمعلومات، وبالنسبة للطفل والمراهق، الذي لا تزال مهارات التنظيم الذاتي لديه في طور النمو، تصبح مسؤولية الأسرة أكثر أهمية، فالهدف ليس خلق خوف من التقنية، وإنما مساعدة الطفل على اكتساب القدرة على: التوقف، والاختيار، وتنظيم الوقت، وتأجيل المتعة، وعدم الاستجابة لكل تنبيه، والتمييز بين المحتوى المفيد والضار، ومعرفة متى يضع الهاتف جانبًا، وهذه في حقيقتها ليست مهارات تقنية فقط، وإنما مهارات نفسية وتربوية للحياة.
الصحة أيضًا تدخل المعادلة
حين يمتد الاستخدام الرقمي لساعات طويلة، تصبح القضية مرتبطة بنمط الحياة ككل، فالأسرة تحتاج إلى الانتباه إلى التوازن بين استخدام الشاشات وبين النوم والنشاط البدني والجلوس والحركة والتفاعل الاجتماعي المباشر، ولا يصح افتراض أن كل مستخدم كثيف للإنترنت سيعاني مشكلة صحية أو نفسية؛ لكن الاستخدام الذي يزاحم النوم أو الحركة أو الدراسة أو العلاقات يستحق المراجعة.
وهنا تصبح القاعدة الأسرية الأفضل: لا نسأل فقط: كم ساعة استخدمت الهاتف؟ بل نسأل أيضًا: هل أثر استخدامك في نومك، ودراستك، وصحتك، ومسؤولياتك وعلاقاتك؟
المجتمع أيضًا يتغير
عندما يصل استخدام الإنترنت في المنطقة الشرقية إلى %99.52، فإننا لا نتحدث عن تغير داخل المنزل فقط، بل عن تحول اجتماعي واسع، طريقة الحصول على الأخبار تغيرت، والتسوق تغير، والتعليم تغير، والخدمات الحكومية تغيرت، والعلاقات الاجتماعية تأثرت، وحتى مفهوم القدوة لم يعد محصورًا في الأسرة والمدرسة والمجتمع المحلي؛ فقد يدخل شخص يعيش على الجانب الآخر من العالم إلى هاتف الطفل ويصبح أكثر حضورًا في حياته اليومية من أشخاص يعيشون حوله.
وهنا تظهر مسؤولية المؤسسات الاجتماعية والتعليمية والجمعيات الأسرية، فالتوعية الأسرية في المرحلة المقبلة لا ينبغي أن تقتصر على الحديث عن مخاطر الإنترنت، بل ينبغي أن تعمل على بناء مفهوم أشمل هو: الثقافة الأسرية الرقمية.
ماذا تحتاج الأسرة اليوم؟
تحتاج الأسرة إلى الانتقال من المنع والمراقبة وحدهما إلى التربية الرقمية، فالطفل الذي نمنعه اليوم سيكبر غدًا، ولن يبقى تحت مراقبتنا دائمًا، أما الطفل الذي نعلمه كيف يختار، وكيف يتحقق، وكيف يحمي خصوصيته، وكيف يحترم الآخرين، وكيف يتعامل مع الخطأ والمحتوى غير المناسب، وكيف ينظم وقته؛ فإننا نبني لديه رقابة داخلية تستمر حتى في غياب الوالدين، وهذا هو الاستثمار التربوي الأهم.
من المسؤول؟
المسؤولية مشتركة، الأسرة تبني القيم والعادات، والمدرسة تنمي المعرفة والمهارات الرقمية، والمؤسسات الصحية ترفع الوعي بالاستخدام المتوازن، والجهات المختصة تعزز السلامة الرقمية، والجمعيات الأسرية تقدم برامج الإرشاد والتوعية، والمجتمع يساهم في بناء ثقافة تحترم الخصوصية والمسؤولية والأخلاق في العالم الرقمي، أما الطفل نفسه، فتزداد مسؤوليته تدريجيًا مع تقدمه في العمر.
المنطقة الشرقية أمام فرصة مهمة
إن وصول استخدام الإنترنت في المنطقة الشرقية إلى %99.52 لا ينبغي أن يُقرأ فقط بوصفه مؤشرًا على الانتشار التقني، بل باعتباره فرصة اجتماعية وتنموية كبيرة، فالمجتمع المتصل رقميًا بهذه الدرجة يستطيع أن يوظف التقنية في التوعية الأسرية، والتعليم، والإرشاد، والخدمات النفسية والاجتماعية، والتثقيف الصحي، والوصول إلى الأسر والشباب، وتعزيز جودة الحياة، لكن نجاح ذلك يتطلب ألا يكون الإنسان مجرد مستهلك للتقنية، بل مستخدمًا واعيًا قادرًا على التحكم فيها وتوظيفها لخدمة حياته.
الخلاصة
لقد دخل الإنترنت تقريبًا إلى كل بيت وكل تفاصيل الحياة، ولم يعد السؤال الحقيقي هو: هل ستكون التقنية جزءًا من حياة أبنائنا؟
فالإحصاءات تجيب بأن ذلك أصبح واقعًا بالفعل.
السؤال الأهم هو: أي نوع من العلاقة نريد أن يبنيه أبناؤنا مع التقنية؟
علاقة استهلاك واعتماد دائم؟، أم علاقة واعية تجعل التقنية وسيلة للتعلم والإبداع والتواصل وتحسين جودة الحياة؟، هنا يبدأ الدور الحقيقي للأسرة، ففي عصر يصل فيه الإنترنت إلى الجميع تقريبًا، تصبح التربية الرقمية جزءًا من التربية نفسها، ويصبح إعداد الطفل للحياة الرقمية امتدادًا طبيعيًا لإعداده للحياة الاجتماعية.
في المقال الثاني سيأخذنا مباشرة إلى قلب الموضوع: (أطفالنا والعالم الرقمي: بين فرصة التعلم وتحديات التربية)، وسنركز فيه بصورة أعمق على الطفل والتعليم والتحصيل والمهارات والتنشئة والسلوك، مستندين إلى أرقام تقرير 2025.



