فضاء الكلمة يفرض وجوده المهم في العلاقات الاجتماعية، وينهض بها نحو المتانة والتماسك عندما تحضر الكلمة الطيبة. وقد تقود الكلمة الجارحة والقاسية إلى تفتت العلاقات وإيجاد فجوة في جدار المودة والثقة. ولما لهذا الفعل الإنساني من آثار نفسية واجتماعية تترتب عليه، وقد تمتد إلى سنوات طويلة، فإنه يضع الفهم والإدراك لكيفية الحفاظ على الصداقة على المحك. فالكلمة جسر للتفاهم، وتبادل وجهات النظر، وإيجاد القناعات المشتركة، وصولاً إلى المصداقية والشفافية والثقة المتبادلة، والشعور بكون الطرف الآخر سنداً في مواجهة الظروف الحياتية الصعبة. وهي وسيلة لترميم ما يعلق في النفوس من ثقل الهموم والمشاكل والتنفيس من الضغوط النفسية. وفي الضفة الأخرى، قد تكون الكلمة أداة لهدم العلاقات وانحسار الترابط الوجداني بينهما.
ومن هنا تبرز الحكمة المنقولة عن أمير المؤمنين (ع): «فربّ كلمة سلبت نعمة» (الاختصاص، الشيخ المفيد، ص ٢٢٩)، وهي عبارة تختصر حقيقة اجتماعية عميقة تتعلق بأهمية الكلمة ودورها الإيجابي في بناء العلاقات وترسيخها، أو السلبي في هدمها وتحطيمها. ومفادها أنّ الإنسان قد يفقد بكلمة جارحة أو مسيئة أو قاسية غير محسوبة ما بناه بسنوات من المحبة والثقة والاحترام، إذ توجد فجوة لا تردمها إلا لغة الاعتذار وإظهار صدق المودة والاحترام مجدداً.
فالنعمة ليست محصورة في المال والصحة والمكانة الاجتماعية لوحدها؛ بل هناك مصاديق أخرى تظهر أهميتها في حياة الإنسان. بل إن وجود صديق مخلص وقلب يطمئن إليك يعد من النعم الكبرى؛ فعلاقة يسودها الاحترام والتفاهم والانسجام الفكري والوجداني تعد عوناً في مواجهة التحديات، وكلها نعم تستحق الحفظ والرعاية والاهتمام لتحقيق نموها وازدهارها. وقد تكون كلمة واحدة كافية لإضعاف هذه النعم وتلاشيها، لا لأنها تمتلك قوة سحرية، بل لأنها تكشف عن استهانة بمشاعر الآخرين، أو تهدم شيئاً من جدارية الثقة والاحترام التي قامت عليها العلاقة. فالحكمة لا تتعلق بما نقوله فحسب دون نظر في تأثيره، وإنما بكيفية قوله، والوقت الذي نقوله فيه، والحال النفسية التي يكون عليها المتلقي، فاللسان يكشف عن مستوى الوعي ويترجم ما يستقر في النفس من قيم ومواقف.
ومن الأخطاء الاجتماعية الشائعة التي تهدم تلك العلاقات أن يبرر الإنسان إساءته متذرعاً بقوله: «هو يعرفني». وهذا الاتكاء الخاطئ على هذه الميزة في العلاقات ينساب بها نحو التدهور والانهيار؛ وذلك لأن المعرفة السابقة بالخصوصية النفسية والوجدانية للطرف الآخر لا تمنحه رخصة مفتوحة لتجاوز حدود الاحترام والآداب الأخلاقية. فمهما كان قِدَم تلك الصداقة، فإن معول الهدم (الكلمة الجارحة والمسيئة) يحدث اضطراباً وألماً بسببها. كما أن محبته لك لا تعني أن قلبه محصن من الجرح والتأثر السلبي بها بعد الشعور بعدم اهتمامك واحترامك له، فهو يتوقع منك أن تكون موضع أمان وارتياح نفسي لا مصدراً للألم.



