سألتني إحدى طالباتي في دوراتي الإنسانية، قبل عدة سنوات، بعد طرح الدرس: ما الفرق بين النضج والتقدم في العمر؟
وكان الجواب كامناً بين سطور الدرس!
قلت لها حينها: العمر يمنحنا وعياً بمكانة أحبتنا وتجاربهم، وهو فكرة في العقل قبل أن يكون رقماً في الجسد.
كتبت هذا النص لأمحو النظرة السلبية عن التقدم في السن، ولأقول إن بوسعنا أن نتآلف مع ذواتنا الجديدة ونحيا حياة ممتلئة بالمعنى.
ومساعدة البعض الآخر على تفهم وإدراك أن هناك الكثير من الأمور التي يمكننا القيام بها من أجل التكيف مع طبيعتنا الجديدة، والاستمتاع بحياة ممتعة ومتفاعلة وذات معنى.
أسئلتي التي تراودني بهذا الشأن:
هل تشيخ المرأة بمجرد مرور السنين؟
ماذا يمكن أن تتوقعه المرأة كلما تقدمت في العمر؟
يواجه البعض صعوبة في تذكر بعض الأسماء، هل يُعد هذا خرفاً كما يبدو للبعض ويشعرن بالحرج والاستياء؟
كم منا أرادت أن تتوفر لديها الجرأة والقدرة على التكيف والتأقلم مع تلك التغيرات؟
هل يزعجك اللون الفضي عندما بدأ يتسلل إلى شعرك، أو تلك الخطوط الدقيقة التي تبدو حول عينيكِ عندما تضحكين؟
لماذا نخفي أعمارنا بمقص التجميل؟
حيث يعمل التقدم في العمر على تغير الأفراد بصورة تدريجية على مدار عقود.
فالحياة لا تنتهي عندما نكبر، بل تبدأ فصولها الأكثر عمقاً ونضجاً بفيض من التجارب والخبرات.
التقدم في العمر ليس خريفاً للأيام، بل هو موسم حصاد العمر، والمرحلة التي نمتلك فيها أخيراً أثمن ما في الوجود: الحكمة، والحرية، والخبرة، والوقت، والاستقلال الذاتي.
نحن نشيخ حين نتخلى عن مُثلنا العليا ومبادئنا السامية.
ولعل السنين الطويلة قد تترك تجاعيد على البشرة، لكن التخلي عن النشاط والحماس يترك تجاعيد في الروح.
ومع هذا ينبغي ألا ننكر بأن التقدم في العمر يعمل على تغيير شكل وهيئة النساء بصورة تدريجية، ولكن معظمنا يفتقر إلى الإدراك الجيد لما يحدث لأجسامنا خلال هذه الفترة التي تستمر بعد منتصف العمر.
هناك الكثير من الناس الذين يسيرون بيننا وكأنهم أموات دون أن يدركوا ذلك، حيث ثمة فرق شاسع بين التقدم في العمر والنضج.
إذا كنتِ في العشرين وبقيتِ مستلقية في السرير لعام كامل دون القيام بأي عمل منتج، فستبلغين الحادية والعشرين.
وإذا كنتِ في الأربعين وبقيتِ في السرير لعام دون أن تفعلي شيئاً، فستبلغين الحادية والأربعين وهكذا.
بإمكان أي شخص أن يتقدم في العمر، فهذا الأمر لا يتطلب موهبة أو قدرة خاصة.
يكمن السر في النضج، من خلال اغتنام الفرص التي يحملها التغيير دائماً، ودون الشعور بالخسارة والندم.
عادةً لا يندم كبار السن على ما فعلوه، بل على الأشياء التي لم يقوموا بفعلها.
والوحيدون الذين يخشون الموت هم أولئك الذين يحملون في قلوبهم حسرة ويأساً وندماً.
تأكدي عزيزتي المرأة أنه لم يفت الأوان أبداً لتكوني أفضل نسخة ممكنة من نفسك.
نحن نكسب عيشنا مما نأخذه، لكننا نصنع حياتنا الحقيقية مما نعطيه.
وتذكري:
التقدم في العمر أمر حتمي، أما النضج فهو خيار وقرار شخصي ليس إلا!
فالأول يحدث بمرور الزمن تلقائياً، بينما الثاني هو خيار عقلي ووجداني.
لا يمكنكِ منع التقدم في العمر، ولكن ليس عليكِ أن تشيخي لو أردتِ ذلك.
هناك أربعة أسرار فقط للبقاء بروح شابة:
* علينا أن نكون سعيدات ونحقق النجاح.
* علينا أن نبتسم ونضحك.
* علينا أن نجد جانباً مرحاً للحياة كل يوم.
* علينا أن نمتلك حلماً، فحين نفقد أحلامنا نموت.
أعتقد أن الوقت قد حان لكي أعترف بكل جرأة: هذا هو كل شيء، وهذا ما نحن عليه.
وأن نعترف كم نحن محظوظون لأن لدينا كل هذه السنوات من الوقت الإضافي ونحن على قيد العطاء والتفاؤل والجمال والقناعة والرضا.
أهدي هذه النصيحة للبعض، لا ينبغي أن نقول “من المستحيل” أبداً.
حيث هناك دائماً شيء يمكن القيام به لتحسين وضعنا كلما تقدم بنا العمر، إذا كنتِ مستعدة للقيام بذلك.
وتذكري إنها ليست مجرد علامات على مرور الوقت، بل هي أوسمة شرف تروي قصة حياتكِ بكل تفاصيلها.
همستي لزوجي الحبيب وشريك العمر:
يا من كنتَ شاهداً على فصول عمري في شبابي ونضجي، في قوتي وضعفي.
أقولها لك اليوم وبكل فخر: لم أخشَ التقدم في العمر وأنا معك، لأنك لم ترَ في الشيب نقصاً بل رأيته تاج وقار، ولم ترَ في تجاعيدي تعباً بل رأيتها حكايتنا معاً.
أنتَ من علمني أن القهوة المعتقة هي الألذ، وأن العشرة الطويلة هي الأصدق، وأن الحب المعتق لا يشيخ.
شكراً لأنك كنتَ الحكمة حين احتجتُ الحكمة، والحرية حين احتجتُ الحرية، والأمان حين احتجتُ الأمان.
هذا النضج الذي أكتب عنه، أنتَ سحره وسره.
همسة لطالباتي الفاضلات:
لا تخفن من رقم العمر، خفن من عمر بلا معنى.
لطالما أدركنا أن التقدم بالعمر هو منحدر نتمنى تجنبه، ولكن الحقيقة بالنسبة لي شخصياً هي أن التقدم في السن يشبه القهوة المعتقة الفاخرة.
والآن أتناول قهوتي السمراء التي تشبهني بكثير من التفاصيل، ولعلها تفوقني سخاءً لعشاق القهوة.



