السعودة مشروع وطن، لا لعبة أرقام؛ وبناء إنسان، لا استكمال بيان؛ واستثمار في المواطن، لا استغلال لحاجته إلى الأمان. ولكن ماذا لو تحولت فترة التجربة لدى بعض الشركات من وسيلة لاختبار الكفاءة إلى وسيلة لتدوير العمالة، وتحقيق نسب التوطين، دون استقرار أو تمكين؟
يُوظَّف الشاب السعودي، ويُمنح عقدًا وآمالًا، ويرسم لمستقبله أحلامًا، وبعد ثلاثة أشهر يُفاجأ بإنهاء خدماته، فتتبخر أحلامه، وتتبعثر التزاماته! ثم يأتي موظف آخر ليجلس على الكرسي ذاته، ويواجه المصير ذاته؛ وكأن الوظيفة باب دوّار، يدخل منه مواطن ويخرج آخر، بينما يبقى الرقم في سجلات التوطين حاضرًا، والاستقرار الوظيفي غائبًا!
والنظام السعودي أجاز فترة التجربة بما لا يتجاوز مجموعها 180 يومًا، وأجاز إنهاء العقد خلالها دون تعويض عن الإنهاء أو مكافأة نهاية خدمة؛ لكنه لم يشرعها لتكون وسيلة للتحايل، بل فرصة لتقييم الكفاءة والتأهيل. مع بقاء الحقوق النظامية الأخرى للعامل، ومنها أجوره المستحقة.
ولنضرب مثالًا افتراضيًا: شركة تحتاج إلى عشرة موظفين سعوديين، فتوظف عشرة، ثم تستبدلهم كل ثلاثة أشهر. خلال عام واحد يمر أربعون مواطنًا على عشر وظائف، بينما يبقى عدد الوظائف عشرًا! هنا يبرز السؤال: هل حققنا توطينًا مستدامًا، أم مجرد دوران في الأسماء والأرقام؟
والأخطر أن هذا السلوك، إن ثبت تعمّده، لا يضر الموظف وحده، بل يضر الاقتصاد بأكمله؛ فالموظف غير المستقر يؤجل زواجه، ويتردد في شراء منزله، ويخشى الالتزامات، ويقل إنفاقه، فتضعف القوة الشرائية، وتتأثر الأسواق التجارية. وهكذا تمتد آثار القرار من مكتب الموارد البشرية إلى ميزانية الأسرة، ومن ميزانية الأسرة إلى حركة السوق ودورة المال.
فما الحل؟ نقترح على وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية:
* مؤشر الاستقرار الوظيفي: قياس متوسط بقاء السعوديين في كل منشأة، لا الاكتفاء بنسبة توظيفهم.
* رصد التوظيف المتكرر: إنشاء تنبيه رقابي آلي للمنشآت التي يتكرر فيها فصل السعوديين خلال التجربة واستبدالهم في الوظائف نفسها.
* ربط البيانات: تحليل بيانات «قوى» والتأمينات الاجتماعية والأجور لاكتشاف أنماط التدوير غير الطبيعية.
* تقييم موضوعي: إلزام المنشآت التي تظهر لديها مؤشرات اشتباه مرتفعة بتقديم مبررات الإنهاء وتقييمات أداء موثقة.
* توطين مستدام: اقتراح إضافة مؤشر لاستمرارية الموظف إلى تقييم المنشأة وحوافزها، مع عدم معاقبة الشركات على حالات الإنهاء المشروعة.
* رقابة عادلة: فحص معدلات الاستقالات والفصل بحسب النشاط وحجم المنشأة، والتحقيق قبل اتخاذ الجزاءات، حتى لا يُظلم صاحب عمل ملتزم.
وللإنصاف، فليس كل إنهاء خلال التجربة تحايلًا؛ فقد لا يناسب الموظف وظيفته، أو لا تناسبه بيئته. إنما موطن الشبهة في التكرار المنهجي، والتبديل المتعمد، واستغلال النص النظامي لتحقيق غرض يخالف مقصده.
وقد أعلنت الوزارة أنها فحصت خلال الربع الأول من عام 2026 نحو 91 ألف حالة اشتباه بالتوطين الوهمي، ورصدت 13,509 مخالفات لوجود علاقات عمل غير صحيحة؛ وهي جهود رقابية مهمة، وإن كانت هذه الأرقام لا تعني بالضرورة أن المخالفات تتعلق باستغلال فترة التجربة.
ختامًا، نريد سعودة تصنع خبرة، لا سعودة تملأ استمارة؛ ووظيفة تبني أسرة، لا تجربة تكسر خاطرة؛ وشركة تفاخر بكفاءة مواطنيها، لا بكثرة من مرّوا على أبوابها.
فالوطن لا يقوى بكثرة عقود التوظيف، بل باستدامة العمل والإنتاج، ولا يزدهر بتدوير الأسماء، بل بتدوير الأموال وتنمية الكفاءات.
السعودة الحقيقية ليست أن يدخل المواطن سوق العمل اليوم، بل أن يجد فيه مستقبله غدًا.



