منذ صغرنا، ونحن صبيان، كنا نتنقل بين صوابيط وزرانيق فريقنا السدرة، وأحيانًا نتجرأ فنذهب إلى فريق الزريب أو الخان، أما الوارش فبيننا صلوح ومعاهدة سلام! وكانت بيننا مشاغبات الصبا، وكل فريق يدّعي القوة والسيطرة، وكأن لكل فريق حدوده.
شيء يلفت نظري.
وسط تلك الحركة، كانت هناك أشياء أخرى تلفت نظري ومازالت لحد الآن عندما اتجول ، تستوقفني ( تلييس) مساح الجدران، وبقايا وأثر أصابع البنّاي ويده على سطحها، تلك الحركةو المسح التي تترك ملمسًا متعرجًا خفيفًا تكاد العين تراه، ويمنح الجدار شيئًا من الحياة ،
وأيضًا ( لگرن) الزوايا لا تنتهي بحد قاسٍ، بل تنحني وتتقوس، سواء في الأعمدة أو أركان بعض البيوت الخارجية ، كنت اعجب بها، حركة متصلة، هادئة، لا تنكسر فجأة ، لم أكن أعرف يومها أنني كنت اقرأ و أتأمل المباني.
الإنسان لم يولد بخط مستقيم.
حين ننظر إلى الإنسان والطبيعة، نرى أن الخط المستقيم ليس لغتهما الأساسية ، الجسد منحنيات، واليد منحنيات، والوجه وتفاصيله منحنيات، والأشجار والثمار والأغصان منحنية لا تنمو بمسطرة، موج البحر متعاقبة ، والصخور والجبال تحمل في بعض تكوينها تدرجات وانحناءات ، لذلك ربما نشعر بالألفة عندما نجد في العمارة شيئًا من هذه اللغة؛ فالانحناء أقرب إلى طبيعة الإنسان من الزاوية و الحافة الصارمة.
القوس حركة وليست شكلًا.
القوس في وظيفته الأولى وظيفي إنشائي، وقد يرافقه زخرفة ، نجده طريقةً لتحريك العين داخل المكان ، فالعين لا تصطدم عنده بنقطة محددة و حادة، بل تنتقل و تتبعه من طرف إلى آخر؛ يصعد الخط، يبلغ ذروته، ثم يهبط، فينشأ إيقاع راقص هادئ واستمرارية بصرية ، ولهذا استطاع القوس أن يمنح الممرات والأبواب والأروقة إحساسًا بالاحتواء، وأن يجعل الانتقال بين الفراغات أكثر راحة و ليونة.
الخبطة ويد البنّاء.
في العمارة التقليدية كانت يد البنّاء حاضرة في مادة البناء ، يمسك المونة ، الطين ، الجص، الخلب ، الأسمنت ،يخبطه ، يخلطه ، يضعه، يسويه، يضغطه، يحشيه ، يمسحه ، وقد لا يكون الأثر الناتج مقصودًا ، لكنه يبقى شاهدًا على الإنسان الذي صنع المكان ! الجدار هنا لا يخفي يد البنّاء، بل يحتفظ بذاكرتها ، هذه الآثار البسيطة ، من أجمل الفوارق بين العمارة التي صنعتها اليد، والعمارة التي تصنعها الآلة وتنتهي فيها المادة بلا تدخل أو أثر إنساني.
حين تتداخل الانحناءات.
يزداد جمال الانحناء حين لا يأتي منفردًا، بل يتداخل مع الجدران والمحجر والأعمدة والفتحات، فتتحول الحدود إلى حواف لينة لا تبدو لها نهاية ، ومع تكاملها بالألوان الترابية والطينية تصبح الصورة أكثر انسجامًا؛ فالمادة واللون والانحناء تبدو وكأنهم أصل واحد.
ثم يأتي الساحر ألا وهو الضوء ليكمل المشهد ، حين يسقط على الأقواس و السطوح المنحنية لا يتوقف عندها، بل يتدرج وينحني، فتتولد ظلال ناعمة وفراغات أكثر راحة للعين والجسد ، هنا لا يعود الجدار مجرد فاصل أو حد، بل يصبح جزءًا من حركة الضوء؛ أشعة ، ومادة، وانحناء، وظل، وضوء، عناصر تتداخل لتصنع فراغًا حيًا.
القوس القمري «الگمري» .
ومن التفاصيل المعمارية التي تستحق التوقف عندها في ذاكرة عمارة القطيف (القوس القمري) «الگمري». تجدها في البيوت والصوابيط القديمة، وهذا لم يكن شكل و زينة، بل جزءًا من طريقة تشكيل الفراغ؛ تصل الداخل بالخارج، وتخفف صرامة الجدار، وتفتح مجالًا للضوء والظل ، والقوس القمري، بانحناءته الهادئة، ينسجم بصورة خاصة مع الجدار الطيني ، لا يبدو كعنصر أضيف إلى البناء، بل كأنه خرج من مادته نفسها ، وحين يتكرر مع انحناءات أخرى في البيت، تتصل الفراغات ببعضها، ويتحرك الضوء بينها، فيصبح المكان أكثر احتواءً وهدوءًا ، لهذا نجد أن القوس ليس مجرد تفصيل معماري، بل جزء من ذاكرة البيوت التقليدية البصرية، ومن علاقة أهلها بالمادة والظل والضوء.
حين وجدت الشعور نفسه خارج المملكة
ولم يكن مرتبطًا بالقطيف وحدها.
عام 1987م، كنت مرافقًا لأخي المرحوم المهندس عبدالرزاق مع عائلته الكريمة في رحلة إلى إسبانيا ، وفي أحدى جولاتنا السياحية ، زرنا ملقا والبيازين ، وهناك رأيت شيء شعرت أنه قريب من ذاكرة المكان التي أعرفها ! كانت بعض أحيائها تتميز بالدواعيس والممرات الضيقة، وبجدران متقاربة تشبه في إحساسها جدران بيوتنا القديمة، وإن اختلفت التفاصيل والمواد ، وكان اللون الأبيض حاضرًا بقوة، ينعكس عليه الضوء، فتبدو الممرات الضيقة ( زرانيق) أكثر اتساعًا وراحة مما توحي به ضيقها ، شعرت هناك بشيء من الألفة الغريبة؛ كأنني أرى مكانًا بعيدًا، لكنه يوقظ في داخلي إحساسًا أعرفه من صوابيط القطيف وزرانيقها ، لم تكن المسألة تشابهًا في الشكل فقط، بقدر ما كانت تشابهًا في مساح الجدران وأثر يد البناي ، و حركة الناس و الإحساس بالفراغ؛ ضيق الممرات، قرب الجدران، الظل، الضوء، والانحناءات التي تخفف من صرامة الكتلة.
ومع مرور السنوات، وكلما زرت مدينة أو قرية من مدن وقرى المملكة، وجدت أن هذا الشعور يتكرر بأشكال مختلفة ، في بعض الأماكن القديمة، الممرات والبيوت متقاربة، ونعومة الجدران، وتدرج الظلال، تمنح الإحساس نفسه بالراحة والألفة.
لغة إنسانية.
أدركت أن العمارة الإنسانية قد تختلف لغاتها المحلية، لكن بعض مفرداتها قادرة على مخاطبة الإنسان في أماكن متعددة؛ الظل، والانحناء، وقرب الجدران، ونسبة الفراغ، وأثر اصابع اليد، والضوء حين يجد طريقه إلى المكان ، ربما لهذا بقيت تلك الرحلة إلى اسبانيا عالقة في ذاكرتي؛ لم أكن أبحث يومها عن العمارة، لكن العمارة كانت تفتح لي بابًا إلى ذاكرة أخرى.
إذاً لماذا ابتعدنا عن هذا الجمال؟
إذا كانت الطبيعة التي نعيش فيها مليئة بالانحناءات، وإذا كان الإنسان نفسه لا يخلو من قوس أو انحناء أو تقوس، فلماذا اتجهنا إلى عمارة يغلب عليها الخط المستقيم الحاد والزاوية والأعمدة القائمة والسطوح الصامتة؟
ليس في الحداثة أو الخط المستقيم مشكلة؛ فالهندسة تحتاج إلى النظام والدقة ، لكن المشكلة حين تتحول الدقة إلى جفاف، والنظافة البصرية إلى محو لأثر وروح الإنسان.
عمارة حية.
فالعمارة ليست هندسة فقط! إنها إحساس أيضًا؛ بين الصرامة والحياة ، لسنا بحاجة إلى نسخ الماضي، ولا إلى إعادة البيوت القديمة كما كانت، ما نحتاجه هو فهم روحها ومعناها ، أن نعرف لماذا لانت الزوايا، ولماذا حضر القوس، ولماذا ترك البنّاء أثر يده، ولماذا اجتمعت المادة الطينية و الترابية مع الضوء والظل لتصنع فراغات مريحة .
يمكن للعمارة أن تكون حديثة دون أن تكون قاسية، ويمكن للجدار أن يكون جديدًا دون أن يكون ميتًا، ويمكن للخط المستقيم أن يتعايش مع الانحناء، فتستعيد العمارة شيئًا من إنسانيتها.
القوس ذاكرة حركة.
حين أوثق أو أصور مبنى قديمًا، أبحث عن الحركة التي تقود العين: قوس يفتح على فراغ، ظل يتبع انحناء الجدار، أثر يد بقي على سطح قديم، وزاوية أو عمود جرى تهذيبها بدل أن تنتهي بحد جاف ، علّمتني العمارة التقليدية أن الجمال لا يحتاج دائمًا إلى مبالغات أو زبرگة ؛ أحيانًا يكفي أن تلين الحافة، وأن تترك اليد أثرها، وأن يستمر الخط بدل أن ينكسر.
ليس هوسًا!
ربما كان أول درس تعلمته في العمارة وأنا صبي هو ذلك الشعور الذي كان ينتابني أمام جدار يحمل أثر أصابع اليد، أو زاوية محجر تنحني، أو قوس يقود العين في حركة متصلة ، واليوم، بعد سنوات طويلة !!! من توثيق ومشاهدة وتصوير المباني، ما زلت أعود إلى الإحساس نفسه ، فالإنسان بطبيعته أقرب إلى الانحناء منه إلى الزاوية ، نحن في أجسادنا، وأيدينا، وأشجارنا، وثمارنا، وفي الضوء نفسه، نعيش في عالم لا يعرف الخط المستقيم وحده.
فلماذا نجعل بيوتنا
أكثر قسوة من حياتنا؟
لا تحتاج بيوتنا إلى مزيد من التعقيد، بقدر ما تحتاج إلى أن تستعيد شيئًا من روح و يد الإنسان، ومسحته، وانحناءاته؛ وشيئًا من ذلك القوس الذي لا ينكسر فيه الخط، بل يستمر حتى يصل إلى الطرف الآخر.



شيء يلفت نظري.
وسط تلك الحركة، كانت هناك أشياء أخرى تلفت نظري ومازالت لحد الآن عندما اتجول ، تستوقفني ( تلييس) مساح الجدران، وبقايا وأثر أصابع البنّاي ويده على سطحها، تلك الحركةو المسح التي تترك ملمسًا متعرجًا خفيفًا تكاد العين تراه، ويمنح الجدار شيئًا من الحياة ،
وأيضًا ( لگرن) الزوايا لا تنتهي بحد قاسٍ، بل تنحني وتتقوس، سواء في الأعمدة أو أركان بعض البيوت الخارجية ، كنت اعجب بها، حركة متصلة، هادئة، لا تنكسر فجأة ، لم أكن أعرف يومها أنني كنت اقرأ و أتأمل المباني.
الإنسان لم يولد بخط مستقيم.
حين ننظر إلى الإنسان والطبيعة، نرى أن الخط المستقيم ليس لغتهما الأساسية ، الجسد منحنيات، واليد منحنيات، والوجه وتفاصيله منحنيات، والأشجار والثمار والأغصان منحنية لا تنمو بمسطرة، موج البحر متعاقبة ، والصخور والجبال تحمل في بعض تكوينها تدرجات وانحناءات ، لذلك ربما نشعر بالألفة عندما نجد في العمارة شيئًا من هذه اللغة؛ فالانحناء أقرب إلى طبيعة الإنسان من الزاوية و الحافة الصارمة.
القوس حركة وليست شكلًا.
القوس في وظيفته الأولى وظيفي إنشائي، وقد يرافقه زخرفة ، نجده طريقةً لتحريك العين داخل المكان ، فالعين لا تصطدم عنده بنقطة محددة و حادة، بل تنتقل و تتبعه من طرف إلى آخر؛ يصعد الخط، يبلغ ذروته، ثم يهبط، فينشأ إيقاع راقص هادئ واستمرارية بصرية ، ولهذا استطاع القوس أن يمنح الممرات والأبواب والأروقة إحساسًا بالاحتواء، وأن يجعل الانتقال بين الفراغات أكثر راحة و ليونة.
الخبطة ويد البنّاء.
في العمارة التقليدية كانت يد البنّاء حاضرة في مادة البناء ، يمسك المونة ، الطين ، الجص، الخلب ، الأسمنت ،يخبطه ، يخلطه ، يضعه، يسويه، يضغطه، يحشيه ، يمسحه ، وقد لا يكون الأثر الناتج مقصودًا ، لكنه يبقى شاهدًا على الإنسان الذي صنع المكان ! الجدار هنا لا يخفي يد البنّاء، بل يحتفظ بذاكرتها ، هذه الآثار البسيطة ، من أجمل الفوارق بين العمارة التي صنعتها اليد، والعمارة التي تصنعها الآلة وتنتهي فيها المادة بلا تدخل أو أثر إنساني.
حين تتداخل الانحناءات.
يزداد جمال الانحناء حين لا يأتي منفردًا، بل يتداخل مع الجدران والمحجر والأعمدة والفتحات، فتتحول الحدود إلى حواف لينة لا تبدو لها نهاية ، ومع تكاملها بالألوان الترابية والطينية تصبح الصورة أكثر انسجامًا؛ فالمادة واللون والانحناء تبدو وكأنهم أصل واحد.
ثم يأتي الساحر ألا وهو الضوء ليكمل المشهد ، حين يسقط على الأقواس و السطوح المنحنية لا يتوقف عندها، بل يتدرج وينحني، فتتولد ظلال ناعمة وفراغات أكثر راحة للعين والجسد ، هنا لا يعود الجدار مجرد فاصل أو حد، بل يصبح جزءًا من حركة الضوء؛ أشعة ، ومادة، وانحناء، وظل، وضوء، عناصر تتداخل لتصنع فراغًا حيًا.
القوس القمري «الگمري» .
ومن التفاصيل المعمارية التي تستحق التوقف عندها في ذاكرة عمارة القطيف (القوس القمري) «الگمري». تجدها في البيوت والصوابيط القديمة، وهذا لم يكن شكل و زينة، بل جزءًا من طريقة تشكيل الفراغ؛ تصل الداخل بالخارج، وتخفف صرامة الجدار، وتفتح مجالًا للضوء والظل ، والقوس القمري، بانحناءته الهادئة، ينسجم بصورة خاصة مع الجدار الطيني ، لا يبدو كعنصر أضيف إلى البناء، بل كأنه خرج من مادته نفسها ، وحين يتكرر مع انحناءات أخرى في البيت، تتصل الفراغات ببعضها، ويتحرك الضوء بينها، فيصبح المكان أكثر احتواءً وهدوءًا ، لهذا نجد أن القوس ليس مجرد تفصيل معماري، بل جزء من ذاكرة البيوت التقليدية البصرية، ومن علاقة أهلها بالمادة والظل والضوء.
حين وجدت الشعور نفسه خارج المملكة
ولم يكن مرتبطًا بالقطيف وحدها.
عام 1987م، كنت مرافقًا لأخي المرحوم المهندس عبدالرزاق مع عائلته الكريمة في رحلة إلى إسبانيا ، وفي أحدى جولاتنا السياحية ، زرنا ملقا والبيازين ، وهناك رأيت شيء شعرت أنه قريب من ذاكرة المكان التي أعرفها ! كانت بعض أحيائها تتميز بالدواعيس والممرات الضيقة، وبجدران متقاربة تشبه في إحساسها جدران بيوتنا القديمة، وإن اختلفت التفاصيل والمواد ، وكان اللون الأبيض حاضرًا بقوة، ينعكس عليه الضوء، فتبدو الممرات الضيقة ( زرانيق) أكثر اتساعًا وراحة مما توحي به ضيقها ، شعرت هناك بشيء من الألفة الغريبة؛ كأنني أرى مكانًا بعيدًا، لكنه يوقظ في داخلي إحساسًا أعرفه من صوابيط القطيف وزرانيقها ، لم تكن المسألة تشابهًا في الشكل فقط، بقدر ما كانت تشابهًا في مساح الجدران وأثر يد البناي ، و حركة الناس و الإحساس بالفراغ؛ ضيق الممرات، قرب الجدران، الظل، الضوء، والانحناءات التي تخفف من صرامة الكتلة.
ومع مرور السنوات، وكلما زرت مدينة أو قرية من مدن وقرى المملكة، وجدت أن هذا الشعور يتكرر بأشكال مختلفة ، في بعض الأماكن القديمة، الممرات والبيوت متقاربة، ونعومة الجدران، وتدرج الظلال، تمنح الإحساس نفسه بالراحة والألفة.
لغة إنسانية.
أدركت أن العمارة الإنسانية قد تختلف لغاتها المحلية، لكن بعض مفرداتها قادرة على مخاطبة الإنسان في أماكن متعددة؛ الظل، والانحناء، وقرب الجدران، ونسبة الفراغ، وأثر اصابع اليد، والضوء حين يجد طريقه إلى المكان ، ربما لهذا بقيت تلك الرحلة إلى اسبانيا عالقة في ذاكرتي؛ لم أكن أبحث يومها عن العمارة، لكن العمارة كانت تفتح لي بابًا إلى ذاكرة أخرى.
إذاً لماذا ابتعدنا عن هذا الجمال؟
إذا كانت الطبيعة التي نعيش فيها مليئة بالانحناءات، وإذا كان الإنسان نفسه لا يخلو من قوس أو انحناء أو تقوس، فلماذا اتجهنا إلى عمارة يغلب عليها الخط المستقيم الحاد والزاوية والأعمدة القائمة والسطوح الصامتة؟
ليس في الحداثة أو الخط المستقيم مشكلة؛ فالهندسة تحتاج إلى النظام والدقة ، لكن المشكلة حين تتحول الدقة إلى جفاف، والنظافة البصرية إلى محو لأثر وروح الإنسان.
عمارة حية.
فالعمارة ليست هندسة فقط! إنها إحساس أيضًا؛ بين الصرامة والحياة ، لسنا بحاجة إلى نسخ الماضي، ولا إلى إعادة البيوت القديمة كما كانت، ما نحتاجه هو فهم روحها ومعناها ، أن نعرف لماذا لانت الزوايا، ولماذا حضر القوس، ولماذا ترك البنّاء أثر يده، ولماذا اجتمعت المادة الطينية و الترابية مع الضوء والظل لتصنع فراغات مريحة .
يمكن للعمارة أن تكون حديثة دون أن تكون قاسية، ويمكن للجدار أن يكون جديدًا دون أن يكون ميتًا، ويمكن للخط المستقيم أن يتعايش مع الانحناء، فتستعيد العمارة شيئًا من إنسانيتها.
القوس ذاكرة حركة.
حين أوثق أو أصور مبنى قديمًا، أبحث عن الحركة التي تقود العين: قوس يفتح على فراغ، ظل يتبع انحناء الجدار، أثر يد بقي على سطح قديم، وزاوية أو عمود جرى تهذيبها بدل أن تنتهي بحد جاف ، علّمتني العمارة التقليدية أن الجمال لا يحتاج دائمًا إلى مبالغات أو زبرگة ؛ أحيانًا يكفي أن تلين الحافة، وأن تترك اليد أثرها، وأن يستمر الخط بدل أن ينكسر.
ليس هوسًا!
ربما كان أول درس تعلمته في العمارة وأنا صبي هو ذلك الشعور الذي كان ينتابني أمام جدار يحمل أثر أصابع اليد، أو زاوية محجر تنحني، أو قوس يقود العين في حركة متصلة ، واليوم، بعد سنوات طويلة !!! من توثيق ومشاهدة وتصوير المباني، ما زلت أعود إلى الإحساس نفسه ، فالإنسان بطبيعته أقرب إلى الانحناء منه إلى الزاوية ، نحن في أجسادنا، وأيدينا، وأشجارنا، وثمارنا، وفي الضوء نفسه، نعيش في عالم لا يعرف الخط المستقيم وحده.
فلماذا نجعل بيوتنا
أكثر قسوة من حياتنا؟
لا تحتاج بيوتنا إلى مزيد من التعقيد، بقدر ما تحتاج إلى أن تستعيد شيئًا من روح و يد الإنسان، ومسحته، وانحناءاته؛ وشيئًا من ذلك القوس الذي لا ينكسر فيه الخط، بل يستمر حتى يصل إلى الطرف الآخر.






