عندما قرأتُ قول الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم:
“ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع”
تفقدتُ أحوال جيراننا و أبعدت فكرة الجوع وأقمت عوضا عنها البحث عما يجبر الخواطر، ويُرمم النفوس المنهكة، جرّاء ألم نفسي أو جسدي.
ولكننّي وددّتُ أن أخطو خطوات محبّةٍ وتقدير لكل جارة من جاراتي، فأنا بحمد الله وتوفيقه أعيش بين كوكبة من النساء الفاضلات من جاراتي .. ولا يُلقاها إلا ذو حظ عظيم.
و إذا أجمعنا الأمر وتركنا العمل بالقوانين المدنيّة الحديثة على هامش الحياة؛ ولم نأخذ بالبروتوكولات التي تعنى بمواعيد زيارة الجيران والأقارب فينبغي أن نتفحّص وبعمق نظرة الإسلام إلى الجار عامّة.
فقد أمرنا الله تعالى _ كمسلمين_ بحسن الجوار والإحسان للجار ولم يجعل الإسلام علاقتنا بجيراننا مجرد مبادرة مجتمعيّة تدعو للتعارف والتواصل السنويّ كما في بعض المجتمعات الأخرى تحت مُسمّى (Neighbor’s Day)
ويصل الأمر بأهمية الجار إلى ترك شراء المنزل المناسب إذا كان الجار سيئا فالجار قبل الدار كما يُنقل في الأخبار.
ومن سعادة المرء أن يُنشِئ له عائلة أخرى من الصديق الوفي أو من الجار الحسن؛ فقد يصنع الجار من المودة والإحسان نسبا، ومن المواقف الإنسانية أهلا وقرابة لا تلتقي في دماء النّسب.
يقول الإمام الصادق (ع): «حُسْنُ الْجِوَارِ يَعْمُرُ الدِّيَارَ وَيَزِيدُ فِي الأَعْمَارِ».
وهكذا يطول الحديث عن أهمية الجار ويقف عند جارتي( سعاد ) التي تستخدم استراتيجيات راقية جدا في التعامل مع جاراتها ولحسن حظي كنت الجارة الأقرب لمنزلها وحظيت بنصيب وافر من اهتمامها.
أجل كلّ أفكاري تتصارع في رأسي لا أدري أين تكون البداية حيث لانهاية للحديث عن جمال وجلال أخلاق أختي وجارتي ( سعاد المختار).
إذا تحدثتُ عن ( سعاد) سوف يجرفني تيار سعادة عارم بها عندما سكنت بجواري، وإذا كتبتُ عن حسن جوارها فسوف أكتب مقالات مثل سلسلة قمم جبليّة عالية تصل لنجوم السماء.
وبعيدا عن الزخارف البديعيّة والصور البيانيّة المميزة لقد شعرت بواجب قلمي في الحديث عنها لأنها النموذج الأمثل للجارة التي وصفها الإسلام وكأن (سعاد ) سمعتْ وصية الإمام الصادق عندما قال:
“والبيتُ غاصٌّ بأهلِه…. اعلموا أنه ليس منّا من لم يحسن مجاورة من جاوره”
فأصبح لها عيونٌ ترقبُ الألمَ فتداويه، وتسمع صوت الفرح في القلب فترسم للسعادة عناوين باذخة تشاركني فيها.
أنشأت جسرًا قويّا لايمكن أن يتصدّع ولا يمكن أن تُعريه الرياح، فأول من حمل الزهور والحلوى للاحتفال معي بتخرج ابني هي ( سعاد ).
تصنع لي باقات راقية من صنوف الورد والعطور والبخور وتضعها عند باب منزلي ثمّ تهاتفني وتقول: لقد وضعتُ لك شيئا بسيطا عند الباب أرجو أن ينال إعجابك.
لايمكن أن تتجلّى ( سعاد ) ببضع سطور أكتبها أو ببعض دقائق من ساعات يومي أستنفدها في الحديث عنها غير أنني أدركتُ أنّنا علينا الاحتفاء بالقامات الاجتماعيّة المُحببة لنا ومن الواجب الإشادة بفضلهم لنمو الجانب الأخلاقيّ وتكاثره؛ فهم يشكّلون لنا قدوة يجب الاحتذاء بها.
أحبّ دائما الانفراد بجارتي (سعاد ) في مكان خاص أنهل من حديثها، وأستمتع بآرائها، حيث لا زائر يزعجنا ولا صوت يتسلل إلينا يفقدني لذّة أحاديثها الراقية.
أرى في (سعاد) اليد الحانية رغم ألمها، وأرى فيها صدق المشاعر باحتواء جميع الجارات.
وكم تشعر بالسعادة عندما نجتمع في منزلها ونستمع للقرآن الكريم سويا تحفّنا الطمأنينة وتغمرنا السكينة، تحتفي بجميع من يحضر وتتفقد من يغيب.
الدقائق تمرّ وما من شيء يعجزني عن الاستزادة من السطور والعبارات الجميلة في حقّ من أحبّ ولكن عند الانتهاء من الحديث وإقفاله يكون الأمر مثل من يَكْسِرُ الْحَلْقَةَ وَيَفْصِمُ السِّوَارَ.



