منذ نعومة أظفارنا، نشأنا على دمعة أبي عبدالله (ع) وهي تهطل من عيني أمي في كل صباح ومساء، وعلى صوته الحزين الذي كان يسكن قلبها قبل أن يسكن مجالسها.
وفي كل فجر من صباح يوم جديد، كنا نستيقظ على صوتها وهي تتلو الأذكار الإلهية من كتاب الله المجيد، وتصلي على محمد وآل محمد، وتلهج بالدعاء، وبين هذا وذاك كانت دموعها تنساب حبًّا وشوقًا على أبي عبدالله (ع).
لم تكن تلك الدموع بالنسبة لنا مجرد دموع عابرة، بل كانت مدرسةً تربينا فيها، ووردًا يوميًا تشرّبناه منذ الصغر، حتى أصبحت المجالس والمآتم، وذكر أبي عبدالله (ع)، والصلاة على محمد وآل محمد، غذاءً للروح والنفس، وشيئًا لا يكتمل يومنا من دونه.
وكانت والدتي رحمها الله تخبرنا أن علاقتها بأبي عبدالله (ع)، وبمجالسه الطاهرة، وبالخدمة الحسينية، بدأت منذ نعومة أظفارها، في حي الديرة بجزيرة تاروت؛ ذلك الحي الذي كانت تحيط به مجالس أهل البيت (ع) من كل جانب، في المآتم وفي بيوت المؤمنين والمؤمنات، وقد أكرمها الله تعالى بأن تكون واحدة من خادمات هذه المجالس المباركة.
وكانت الفعاليات تبدأ منذ ساعات الفجر، من حسينية أبي كامل، ثم تتوالى في بقية المجالس والمآتم وبعض المنازل، رجالية ونسائية، حتى أصبحت المجالس جزءًا أصيلًا من حياة أهل المنطقة، لا سيما في المناسبات الكبرى، كعاشوراء، وشهر رمضان المبارك، ومواليد ووفيات الأئمة الأطهار (ع).
ومن الخطباء الذين عرفتهم تلك المجالس المباركة الخطيب المخضرم ملا خليل أبو زيد رحمه الله، الذي كان من أبرز خطباء جزيرة تاروت، ومن أصحاب الصوت الحسيني المميز، حتى كان نعيه يدخل البيوت والقلوب، ويملؤها حزنًا وتعلقًا بأبي عبدالله (ع).
وكذلك الخطيب البارز ملا عبد الرسول البصارة رحمه الله في حسينية الشايب، والخطيب ملا محمد المسيري رحمه الله في حسينية بن جمعة، ثم في مجلس الشيخ منصور آل سيف رحمه الله، وغيرهم من الخطباء الذين أسهموا في إحياء المنبر وخدمة أهل البيت (ع).
ولست هنا في مقام حصر الخطباء أو المجالس التي عرفتها المنطقة، وإنما هي إشارة عابرة إلى البيئة الإيمانية التي نشأت فيها أمي، وإلى تلك الحياة التي كان فيها حب أبي عبدالله (ع) حاضرًا في البيوت والقلوب والمجالس.
كانت أمي رحمها الله تهتم بالمجالس اهتمامًا بالغًا، وتبذل من وقتها وجهدها ومالها ما تستطيع في سبيل خدمتها. وكانت تحرص على الحضور إلى مجالس النساء قبل موعد القراءة بوقت كافٍ، للمساهمة في تجهيز المأتم وخدمة المؤمنات، ولم تكن ترى في هذه الخدمة تعبًا أو مشقة، بل كانت تراها شرفًا ونعمة وتوفيقًا من الله تعالى.
وكانت تُعرف بالسقاية، متأثرةً بمولانا أبي الفضل العباس (ع)، ذلك الرجل الذي ضرب أروع الأمثلة في الوفاء والبذل والتضحية بين يدي أخيه وإمامه أبي عبدالله (ع).
وكان من شدة ارتباطها بالمجالس، وإجلالها لمولاتنا الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (ع)، أنها كانت تقف طوال قراءة المجلس ولا تجلس، اعتقادًا منها بأن مولاتنا الزهراء (ع) تحضر مجالس ابنها أبي عبدالله (ع)، وتبكيه وتندبه، فكانت تقول في نفسها: كيف أجلس ومولاتي الزهراء (ع) قائمة تبكي ابنها عليه السلام؟
وهكذا كانت تقف حتى نهاية المجلس، ثم تعود إلى بيتها، لتستعد لمجلس آخر وخدمة أخرى.
لقد تركت أمي رحمها الله أثرًا عميقًا في نفوس أصحاب المجالس وروادها وخدّامها، حتى خلدت هذه المجالس اسمها بوصفها خادمة الحسين أم عبد الرسول.
وحتى في آخر أيامها، عندما أثقلها المرض وأضعف جسدها، لم تنسها المجالس، ولم تنقطع عنها محبة أهلها وخدّامها؛ فكان بعضهم يزور بيتنا شبه يوميًا، ويسأل عنها، ويدعو لها، ويطلب منها الدعاء والسماحة عن التقصير.
وكانت، رغم ضعفها، تستقبلهم بقلبها الكبير، وتشكرهم، وترسل سلامها إلى القائمين على المجالس، وتعتذر عن عدم قدرتها الجسدية على الذهاب والمشاركة في الخدمة كما كانت تفعل سابقًا.
لكن يدها الكريمة لم تتوقف عن الوقوف مع مجالس أبي عبدالله (ع)، ولا عن تشجيع خدام أبي عبدالله (ع) على مواصلة هذه الخدمة الشريفة، وكانت توصينا دائمًا بأن نستمر، وألا ندع غيرنا يسبقنا إلى هذا الخير.
والأجمل من ذلك كله أن والدنا رحمه الله كان يجلّ هذا الحب الولائي في قلبها، ويغبطها عليه، ويشجعها على الاستمرار في خدمة أهل البيت (ع)، وكان يوصيها بألا تجعل شيئًا من أمور الدنيا يحول بينها وبين المجالس وخدمتها.
وكانت أمي رحمها الله تقول لنا: إن من المواقف التي لا يمكن أن أنساها لأبيكم، أنه كان إذا رآني منشغلة بأعمال المنزل، واقترب موعد أحد المجالس، يقول لي:
«دعي عنك هذه الأعمال واتركيها لي، وأنا أرعى الأولاد، وأرتب ما تبقى من الغسيل والكنس والطبخ، واذهبي إلى مجلس أبي عبدالله (ع)، ولا يفوتك ثواب خدمته؛ فهي أولى».
ثم كانت تقول: «لا أنسى له هذا الفضل الكبير، وهذه الرعاية الأبوية الحنونة التي كانت تنبع من قلبه نحوي ونحوكم، فضلًا عن تقديره الكبير لمجالس الإمام (ع)».
وهكذا كان والداي رحمهما الله يلتقيان على حب واحد، وولاء واحد، وطريق واحد؛ طريق محمد وآل محمد (ع)، وخدمة أبي عبدالله (ع).
ولم تكن علاقة أمي بأهل البيت (ع) علاقة مجالس ومناسبات فحسب، فقد كانت حريصة على زيارة رسول الله (ص) وأهل بيته الأطهار (ع)، ولم تكن تقطع تلك الزيارات حتى في أصعب الظروف، إلى أن ضعف جسدها، وأصبحت بحاجة إلى الكرسي المتحرك، فبدأت أسفارها تقل شيئًا فشيئًا.
أما قلبها، فلم يعرف التراجع.
ظل فكرها متعلقًا برسول الله (ص) وأهل بيته الأطهار (ع)، وبالأخص أبي عبدالله (ع). فما كان يمر يوم إلا وتسلّم على الحسين وتبكيه، وكأن المسافات لم تكن تستطيع أن تحجبها عن سيدها ومولاها.
وكانت تقول بقلب يملؤه الحزن والحسرة والحب والشوق:
«مشتاقة لزيارتك يا سيدي ومولاي يا أبا عبدالله».
وإذا أقبل شهر محرم الحرام، أو اقتربت أيام أربعينية الإمام (ع)، كانت دموعها تتدفق بغزارة، ويشتد شوقها، وتقول:
«لماذا لا أكون مع زوار أبي عبدالله؟ لماذا لا أكون في خدمته وخدمة زواره؟»
كانت أمي عاشقةً لأبي عبدالله (ع)، عاشقةً لخدمته، عاشقةً لزيارته، وكانت تبكيه صباحًا ومساءً، حتى أصبح بكاؤه وردًا يوميًا على شفتيها، وذكره حياةً في قلبها.
رحلت أمي، لكن الحسين الذي عاشت من أجله لم يرحل من قلبها.
رحلت وهي تحمل في قلبها حب محمد وآل محمد، وتودّع الدنيا وذكريات المجالس والمآتم، ودموع عاشوراء، وخدمة المؤمنين، وشوق الزيارة، وحنينها الذي لم ينطفئ حتى آخر أيامها.
هنيئًا لكِ يا أمي هذا الولاء المحمدي العلوي، وهنيئًا لكِ هذه الخدمة الحسينية التي رافقتك منذ نعومة أظفارك حتى آخر نفس في حياتك.
هنيئًا لكِ أن تكون دمعة الحسين (ع) رفيقة دربك، وأن يكون حب أبي عبدالله (ع) غذاء قلبك، وأن تكون خدمته أمنيةً لم يتوقف قلبك عن طلبها حتى وأنت على الكرسي المتحرك.
وإن كان الجسد قد عجز عن الوصول إلى كربلاء، فإن القلب لم يعجز يومًا عن الوصول إليها.
وإن كانت اليد قد ضعفت عن حمل الماء وخدمة الزائرين، فقد بقيت الروح ساجدةً في محراب الولاء، وبقي القلب يهتف: يا حسين.
رحمكِ الله يا أمي، ورحم أبي، وجزاكما عن حبكما وولائكما وخدمتكما لأهل البيت (ع) خير الجزاء، وجعل ما قدمتماه في سبيل أبي عبدالله (ع) ذخيرةً لكما يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
أسأل الله العلي القدير أن يجعل قبركِ روضةً من رياض الجنة، وأن يفتح لكِ فيه بابًا إلى الجنة، وأن يحشركِ مع محمد وآل محمد، ومع سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (ع)، ومع أمير المؤمنين علي (ع) مع المجتبى الحسن الزكي (ع)، ومع أبي عبدالله (ع)، ومع أبي الفضل العباس (ع)، ومع الأئمة الأطهار من ذريته (ع).
سلامٌ على قلبكِ الذي أحب الحسين، وسلامٌ على دمعتكِ التي لم تجفِ من أجل الحسين، وسلامٌ على يديكِ اللتين خدمتا مجالس الحسين، وسلامٌ عليكِ يوم عشتِ للحسين، ويوم رحلتِ وأنتِ تودعين الحسين.
أماه… رحلتِ عن الدنيا، لكنكِ تركتِ لنا وصيةً لا تموت:
خدمة الحسين شرف، والبكاء على الحسين وفاء، والولاء لمحمد وآل محمد حياة.
رحمكِ الله يا أمي، وجمعكِ بأبي، وجمعكما بأسيادكما محمد وآل محمد.
الفاتحة المباركة على روحها الطاهرة، وأرواح موتى المؤمنين والمؤمنات.



