كنت أستيقظ يوم الخميس باكرًا وبنشاط لا مثيل له، بخلاف بقية أيام الأسبوع. نحن نسير بخطى سريعة نحو ما يسعدنا، ونتثاقل حين يكون الأمر فيما نكره.
في طفولتنا، نشعر أن الوقت يمر ببطء شديد؛ تخيّل أنك في الصف الدراسي، وللتو بدأت الحصة الأولى… فأين الحصة الأخيرة؟.
لكن الخميس، في زمنٍ مضى، كان يومًا ننتظره على أحرّ من الجمر، بالكاد يأتي، وكنت حينها قادرًا على النهوض من فراشي بخفة طرزان، وهو ينتقل من غصن إلى آخر.
في الصباح الباكر، خاصةً في الشتاء، لا شيء يعادل متعة الذهاب إلى سوق الخميس، السوق الشعبي في القطيف، الذي كان لا نظير له.
كان مقصدًا للناس من مختلف مناطق المملكة ودول الخليج، فضلًا عن المقيمين في البلد من جنسيات مختلفة. ورأيت فيه أمريكيين، رجالًا ونساءً، يشترون سُفر الخوص، والمهفّات - مراوح من خوص - والزبيل ويُقصد به السلة. وكانت تُباع فيه، إلى جانب ذلك، الملابس والعطور، وحاجيات متعددة للمنزل. وكان بعض باعة البخور والعود يشعلون قطعًا صغيرة من البخور، فيفوح عبقه، مختلطًا برائحة طبانة النخيل المجاورة، فيكون هذا المزيج عطرًا تراثيًا أصيلًا لا يُنسى.
كان في سوق الخميس بائع متجوّل للحلوى والمخبوزات، وكانت أمنيتي الأولى أن يتوجه أبي إليه مباشرة، ليشتري لنا ما لذّ وطاب من الزلابيا والبقصم. ذلك البقصم الذي كنا نغمسُه في كأس الشاي بالحليب، في لحظة لا يدرك لذتها عشاق الوجبات السريعة اليوم!
أما على طرف السوق، عند المدخل، فكان أحد الباعة يعرض على طاولة كبيرة أنواع التمور، التي تُعدّ بطريقة يدوية من عمل الآباء في القطيف، وتُسمّى طريقة تخزين التمر والكبس والحفظ؛ مرورًا بالتكييس «چناز » وكان البائع يعطينا حبات التمر بسخاء للتذوق وتجربة الأصناف، وفي زاوية الطاولة دلة قهوة يفوح منها عبق الهيل وهي تنسكب في الفنجان. وحين يحضر التمر، تحضر القهوة كمتلازمة لا تنفك عبر الزمن.
سيارة والدي، من نوع نيسان سيدريك، موديل ١٩٨٩، كانت جزءًا من هذه الذكرى. وبالرغم من أن المقاعد كانت فارغة في بعض المرات حين نذهب وحدنا، أنا ووالدي رحمه الله، إلا أنني أصرّ على الجلوس في صندوق الأمتعة! ولا تسأل عن غرائب ما يصنع الطفل؛ فالإجابات المنطقية ليست في قاموسه.
والأهم في ذهن الصبي أنه على موعد لمشاهدة ما يُعرض بعد الظهر من مسلسلات كرتونية، ويجانبها مأكولات يعشقها من سوق الخميس، مع الأمل في ألّا تخذله إشارة الإرسال على السطح، ليتسنى له المشاهدة بوضوح.
والتلفزيون حينها لا تتجاوز قنواته أصابع اليد؛ وأكثرها مشاهدة السعودية الأولى، والقناة السعودية الثانية، والبحرين، وقناة 55 التابعة للتلفزيون البحريني، وقناة الظهران. أما السهرة، حين يجنّ الليل في يوم الخميس، فكانت إما على مشاهدة تمثيلية خليجية، أو سهرة بدوية، وكانت الأعمال البدوية تنال استحسان الآباء في ذلك الوقت.
ثم حين تحوّل السوق إلى يوم السبت، تبعًا لتغيّر عطلة نهاية الأسبوع في البلد، انقطعت آخر أواصر العلاقة بذلك السوق عند شريحة كبيرة من الناس. ولم يعد الخميس، ولا غيره من الأيام، بطبيعة الحال، كما كان في السابق؛ من حيث اجتماع الأسرة بجميع أفرادها في وقت واحد للمشاهدة أو تجاذب أطراف الحديث، قبل أن تداهمنا التقنية بتطبيقاتها ووسائلها، التي سلبت منا ذلك الشعور العائلي الدافئ في كل أسرة وفي كل بيت.
لكن ذلك السوق، وخميسه المشهود لعدة عقود من الزمن، لا ينقطع من ذاكرة رواده، ولا يغيب عن خاطر الباعة الذين اعتادوا أن يعرضوا بضاعتهم أمام حشد من الناس قلّ أن يشهدوا مثله في سوق شعبي آخر.



