عجيبٌ أمرُ بعض الناس؛ إذا حذّر الاقتصادي قالوا: تهوّل! وإذا سكت حتى وقعت الأزمة قالوا: أين كنتم؟ يريدونه أن يرى الحفرة ولا يشير إليها، وأن يرى الغيمة ولا يخبر بالمطر، وأن يشاهد الأسعار تتسلّق السُّلَّم ثم يقول للناس: ناموا قريري العين، فكل شيءٍ عال العال!
الاقتصادي حين يقول: خفّف ديونك، واضبط مصروفك، واحتفظ بسيولة، ولا توسّع التزامك؛ لا يبيع الخوف، بل يوزّع الوعي، ولا يبشّر بالفقر، بل يحذّر من سوء التدبير قبل وقوع الضرر الكبير.
ولو كان كل تحذيرٍ تخويفًا، لكان الإنذار كله ممنوعًا، والتنبيه كله مذمومًا!
والقرآن نفسه قرن البلاغ بالتبشير والإنذار، فقال سبحانه: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾. وقال: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.
وليس المقصود تشبيه الاقتصادي بالنبي في المقام أو الرسالة، حاشا وكلا؛ وإنما التشابه في فكرة التنبيه قبل وقوع العاقبة: هذا يحذّر من خطأ الطريق، وذاك يحذّر من خطأ القرار؛ وهذا يقول: انتبه قبل الندم، وذاك يقول: احسب قبل أن تدفع الثمن.
حتى الأنبياء أُمِروا بالبلاغ الواضح، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ ، وأُمر النبي ﷺ: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ .
فلماذا نغضب ممن يقول لنا: قد تأتي أيام أصعب، فرتّبوا أموركم؟
هل نريده أن يقول: توسعوا في القروض، وزيدوا الأقساط، واشتروا الكماليات، فإن وقعت الأزمة… افتحوا تطبيق الحاسبة وابكوا جماعة؟!
الاقتصادي لا يملك عصًا توقف التضخم، ولا مفتاحًا يفتح الموانئ، ولا زرًا يخفض النفط؛ لكنه يملك كلمةً تقول لك: انتبه.
والعاقل لا يغضب من جرس الإنذار لأنه مرتفع الصوت؛ بل يشكر من ركّبه قبل أن يرتفع الدخان.
فالمشكلة ليست فيمن يحذّرك من العاصفة… المشكلة أن تصفه بالمتشائم، ثم تخرج بلا مظلة، وتغضب لأنك ابتللت!



