هل تكمن الفضيلة في قدرتنا على التسامي، أم أننا لم نعد نختلف عن الكائنات الأخرى إلا في اتساع رقعة مطامعنا؟
كيف يكتفي الوحش في غابته بشريدة تسد جوعه، بينما لا يكفي الإنسانَ محيطٌ كاملٌ من الثروات والمباهج؟ ولماذا صار الحيوان يقود غرائزه لتحقيق بقائه، بينما ترك الإنسان غرائزه تقوده إلى فنائه؟
إن الفارق الجوهري بين البشريّة والحيوانيّة لم يعد مكاناً نستند إليه لنثبت تفوقنا الأخلالاقي، بل أضحى مرآة صادمة تعكس كنزاً أضعناه كنز الهوية الإنسانية.
لقد جُبلت الحيوانات على غرائز منظمة تجوع فتصطاد، وتخاف فتفر، وتأمن فتستريح. لا تسفك دماً لترف، ولا تكدس العشب حظراً على أبناء جنسها، ولا تبني مجدها على ركام أجساد بني جلدتها. أما الإنسان — الذي كُرّم بالعقل والضمير— فقد انقلبت فيه هذه الغريزة إلى شرهٍ لا يرتوي. لم يعد البحث عن الأمان مجرد سقف وقوت، بل تحول إلى صراع محموم للاستحواذ، وانغماس مطلق في الملذات القريبة، حتى لو كان الثمن دهس أرواح أقرب المقربين، أو سلب حقوق من لا حول لهم ولا قوة.
في عصر الماديات الطاغية، ذابت المبادئ واضمحلت الهوية الإنسانية تحت وطأة الأنانية المشتهات. غدا الفرد مستعداً للتضحية بأمانة السنين، وبدفء العلاقات، وبكرامة من حوله — مهما بلغت مكانتهم في قلبه أو المجتمع — من أجل مكسب عابر أو لحظة استعلاء زائفة. وهذا الضياع هو عين النكوص نحو بهيمية بلا ضوابط، حيث يُقاس المرء بما يلتهمه لا بما يمنحه. ولعل القران الكريم قد وضع أيدينا على هذه الحقيقة الخالدة حين وصف حالة النكوص عن العقل والروح،
فقال عز وجل: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 44].
إنها إشارة صريحة إلى أن الحيوان حين يتصرف بغريزته يظل يؤدي دوره المقدر له، أما الإنسان حين يتخلى عن قبس الروح ويهوي في درك الشهوات المطبقة، فإنه يتجاوز الأنعام ضياعاً وجوراً.
إن الشبع المادي يصحبه اليوم جوع روحي غير مسبوق. وما لم نستفق من سكرة هذا الانغماس، سنجد أنفسنا في غابة أشد قسوة من غابات الطبيعة ، غابة أسلحتها المكر، وضحاياها القيم الإنسانية.
فهل نملك الشجاعة لنقف لحظة مع ذواتنا ونفك ارتباطنا بتلك "الغريزة الحيوانية" المتمردة؟ أم أننا سنستمر في إغماض أعيننا حتى نكتشف — بعد فوات الأوان — أننا لم نفقد الآخرين فحسب، بل فقدنا الأمانة التي أُودعت في أعماقنا منذ البداية؟



