22 , سبتمبر 2026

القطيف اليوم

شجاعة مرعوب وخوف أبو صالح

أبو صالح خائف..

ومرعوب يضحك ولا هامه شيء!

وحدها هذه القسمة تحتاج إلى إعادة نظر في الأمور.

مرعوب جالس أمام والده أبو صالح كأن القضية تخص عائلة أخرى.. وأبو صالح يحاول أن يشرح لابنه حجم الورطة.. وخصوصًا أن في الطرف الآخر رجلًا يعرفه جيدًا.. “أبيها”!

وأبو صالح يعرف “أبيها”..

ويبدو أن المعرفة هنا لا تمنح السكينة والطمأنينة.. وإنما تجعل الواحد منا يحسب الأمور جيدًا والمسافة بينه وبين أقرب باب!

المشكلة أن مرعوب لا يظهر عليه شيء من القلق والخوف الذي ينتظره أبوه.

وهنا وجد أبو صالح أمامه لغزًا حيًا بين مجنون وآخر..

كيف لا يخاف هذا الولد من “أبيها”؟

ثم وجد الإجابة فسأله..

“تدري ليش ما تخاف منه؟”

قال مرعوب..

“ليش يبه؟”

قال أبو صالح..

“لأنكم اثنينكم مجانين.. والمجنون ما يخاف من المجنون اللي مثله.”

والحقيقة أن أبا صالح - من حيث لا يقصد - فتح بابًا كبيرًا لفهم بعض أنواع الشجاعة التي نقابلها في الحياة.

فنحن نمنح كلمة “شجاع” أحيانًا بسرعة شديدة..

يكفي أن يتقدم شخص إلى أمر تراجع عنه الآخرون وتوقفوا عن اقتحامه فنصفق له.

انتظروا قليلًا..

ربما الذين تراجعوا عرفوا شيئًا لم يعرفه صاحبنا!

العاقل المنتبه يرى الحفرة فيخفف السرعة..

وصاحبنا لا يرى حفرة ولا شارعًا ولا رصيفًا.. وربما لم ينتبه أصلًا إلى أنه يقود سيارة.. ثم يصل قبلك ويقول لك..

“شفت؟ المسألة سهلة!”

سهلة عليك يا حبيبي.. نصف المعلومات لم يدخل رأسك أصلًا!

وهنا يصبح الخوف في بعض المواقف شهادة حسن سيرة للعقل.

الأب يخاف عندما يتأخر ابنه.. لأنه يعرف الطريق والسيارات والاحتمالات.

والطفل يركض ناحية الشارع مرتاحًا غير مكترث.. ولو كان الاطمئنان وحده دليلًا على الحكمة لأصبح الطفل مستشارًا لأبيه.

وفي الحياة “مرعوب” آخر يتكرر بأسماء مختلفة.

يقول له أحدهم..

“لا تدخل في الموضوع ترى الرجال عصبي”..

فيعتدل في جلسته..

“خله يجي!”

يا سلام!

الناس ترى أمامها رجلًا عصبيًا.. وهو يرى فرصة لإثبات أن هناك عصبيًا آخر متاحًا في الحلقة القادمة!

فتبدأ المشكلة.. ويتراجع العقلاء خطوات.. ويتقدم الاثنان نحو بعضهما بحماس.. وكل واحد منهما مستغرب جدًا من عدم خوف الآخر!!

لو كان أبو صالح موجودًا لاختصر على الجميع التحليل وفهم الموقف والمسألة..

“اثنينكم مجانين”..

وحتى في القرارات اليومية يظهر لنا “مرعوب” بنسخة اقتصادية..

فنرى شخصًا يدرس فكرة مشروع.. فيحسب تكلفته ويسأل عن السوق وأحواله ويراجع العقد ويدقق في التفاصيل ثم يتردد.

ويأتي آخر..

“توكل على الله وافتح!”

هل درست السوق؟

“ويش أدرس؟”

حسبت المصاريف؟

“تتيسر.”

قرأت العقد؟

“يا رجال!.. توكل على الله وخلك جسور!”

وبعدها قد يقال عن الأول إنه خواف.. وعن الثاني إنه جريء.

مسكين العقل..

كلما قام بعمله جيدًا كثرت عنده التحذيرات.. وكلما قلّ العمل في الطابق العلوي اتسعت مساحة المغامرة في الدور الأرضي!

الخوف نفسه ليس فضيلة.. والتهور لا يتحول إلى شجاعة لمجرد أن صاحبه يمشي مرفوع الرأس.

الشجاعة التي تستحق معناها ترى الخطر.. وتعرف حجمه.. ثم تتقدم حين يستحق الأمر.

أما الذي لم ير الخطر أصلًا ولم يشعر به.. فلا نستعجل في تعليق وسام الشجاعة على صدره قبل أن نتأكد أن الأجهزة كلها تعمل!

ولهذا أعجبني أبو صالح..

خاف من "أبيها" لأنه يعرفه..

وخاف على ابنه لأنه يعرف ابنه..

ثم نظر إلى الطرفين واكتشف أنه الوحيد الذي يحمل همّ القضية كاملة.

أما مرعوب و”أبيها” فالأمور عندهما طيبة جدًا..

كل واحد منهما مطمئن إلى نفسه.. وأبو صالح وحده يعرف الاثنين!

وأظن أن أبا صالح بعد تلك اللحظة لم يعد خائفًا من “أبيها” وحده..

صار عنده اثنان.


error: المحتوي محمي