18 , سبتمبر 2026

القطيف اليوم

قصص العاشقين… حكايةٌ لا تنتهي

في الحكاية السابقة…
تركنا الكهّان عند أبواب لم تعد تُفتح.

رجال اشتهروا بين العرب بالحديث عن الغيب، وكان الناس يقصدونهم يسألونهم عن المجهول ويطلبون منهم ما يزعمون أنه خبرٌ يأتيهم من السماء.

وكان الكاهن… يستند إلى ما يُلقى إليه من الجن.
فإذا انقطع الطريق… انقطع معه شيءٌ من مصدر قوته.

وتروي الروايات أن الكهانة اضطربت مع بعثة النبي ص وأن الشياطين مُنعت من استراق السمع كما كانت تفعل من قبل.

فبدأ الكهّان يشعرون أن شيئًا قد تغيّر…
أخبارٌ كانوا يجدونها من قبل… لم تعد تصل.
وأبوابٌ كانوا يظنون أنها مفتوحة… لم تعد كذلك.
وكان عليهم أن يبحثوا عن السبب.

ثم…

خبرٌ كانوا يبحثون عنه في السماء… فجاءهم من الأرض.

بدأ خبرٌ جديد ينتشر في مكة.
خبرٌ عن رجل ظهر بين قومه… يقول إن الوحي يأتيه من السماء.

محمد ص…

وهنا… كانت المفارقة التي لم يعرفها الكهّان من قبل.
كان الكاهن يبحث عن كلمة من السماء…
وكان الجن يسترقون السمع ليحملوا شيئًا منها إلى الأرض.

أما محمد ص…
فلم يكن يبحث عن خبر ولم يكن يسترق السمع
بل كان السمع والوحي يأتيه…

وحيًا من الله.
كلامًا لا يختلط فيه الحق بالباطل، ولا يحتاج إلى كاهن يفسّره، ولا إلى شيطان يحمله.

وهنا…

لم تعد المسألة مجرد أبوابٍ أُغلقت.
كان هناك بابٌ آخر… بابٌ سيفتح.

لكن…
كيف فُتح؟ وأين كانت أولى لحظاته؟

ومن الذي جاء محمدًا بذلك الوحي؟

سنصعد الآن…
لا إلى السماء التي كان الجن يسترقون منها السمع… بل إلى غارٍ في جبلٍ بمكة.

غار حراء…
وهناك…
كان باب آخر على موعد أن يُفتح.

كان رسول الله ص يعتزل الناس في غار حراء يتعبد فيه حتى جاءه أمر الله.

في ذلك الغار…
الذي يبعد عن منزله مسافةً ليست باليسيرة…
كيف كان يذهب إليه؟ وكيف كان يتعبد؟
ومن كان يجهز له شؤونه… من مأكلٍ وغيره؟

ومن ذلك الطفل الذي كان يذهب معه… فيرى ويسمع ما يراه ويسمعه النبي ص؟

ومن الحبيبة التي كان غيابه يطيل ليلها… فيظل قلبها بين الشوق والخوف حتى تراه…
فتطمئن النفس، ويرتاح القلب؟

وكيف كان يكون لقاؤهما بعد الغياب؟

حتى قالت وهي تستقبل حبيبها العائد:

جَاءَ الحَبِيبُ الَّذِي أَهْوَاهُ مِنْ سَفَرِ
وَالشَّمْسُ قَدْ أَثَرَتْ فِي وَجْهِهِ أَثَرَا
عَجِبْتُ لِلشَّمْسِ مِنْ تَقْبِيلِ وَجْنَتِهِ
وَالشَّمْسُ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُدْرِكَ القَمَرَا

وفي أي شهر كان يذهب؟ وفي أي يوم من الشهر؟ وهل كان يذهب ليلًا أم نهارا؟ وكم كان يمضي من الوقت هناك؟

بل…
ما الذي كان يدفعه أصلًا إلى الذهاب إلى ذلك الغار الصعب الوصول إليه…
مع أن أفضل بقاع الأرض، الكعبة المشرفة،كانت قريبةً من بيته؟

عشرات… وربما مئات الأسئلة…
حول غارٍ تشرف بما لم تتشرف به بقعةٌ على الأرض… ولا موضع في السماء.

لكن…
وراء ذلك الغار حكاياتٌ كثيرة.
ومع الحبيب… حكاياتٌ أكثر.

سنتركها الآن…
فربما يكون لنا مع الحبيب… لقاءٌ آخر.
فحكاياتُ الحب… لا تنتهي.

وهناك في ذلك الغار…
لم يصعد محمدٍ ص إلى السماء…
بل السماء نزلت إليه… الوحي.

جاءه جبرئيل عليه السلام…
وأبلغه رسالة الله.

وكانت أول الكلمات:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ۝ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ۝ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾

اقرأ…

كلمةٌ واحدة…
لكنها لم تكن كلمةً عابرة.
كانت بداية الرسالة وبداية القرآن.
وبداية عهدٍ جديد بين السماء والأرض.

في ذلك الغار الصغير…
بدأت رحلةٌ لم تعرف الأرض مثلها.
رحلةُ وحيٍ جاء من السماء…
ليغيّر الإنسان.

ولم تكن تلك اللحظة… مجرد بدايةٍ لرسالة محمد ص… كانت بداية عهدٍ جديد…صار فيه كلام الله يصل إلى الناس، على لسان نبيّه ورسوله.

وهنا…
ينتهي سؤال… ويبدأ سؤالٌ أكبر.
ماذا حمل ذلك الوحي إلى الأرض؟
وماذا صنع القرآن في الإنسان؟
وكيف غيّر محمد ص… وجه العالم بالكلمة التي بدأت هناك؟

هناك… سنقترب أكثر من سرّ ذلك الوحي. ومن النور الذي خرج من غار حراء… إلى العالمين.

منذ تلك اللحظة… لم تعد مكة كما كانت… ولم يعد محمد ص كما كان قبلها.

فقد بدأ عهدٌ جديد… عهدٌ بين السماء والأرض.
لم يعد الوحي خبرًا يُبحث عنه… بل رسالةً يحملها رسولٌ من عند الله إلى الناس كافة.

وهنا… تظهر المفارقة التي بدأت بها حكايتنا.

كان الكهّان يبحثون عن أخبار السماء…
وكان الجن يحاولون استراق السمع.

ثم جاء الوحي…
فأُغلق باب الاستراق… وفُتح باب الوحي.

وسكت الكهّان… وبدأ القرآن يتكلم.

أما ذلك النور…
الذي حملته آمنة في بدايات حكاياتنا…
وامتدت قصته إلى فاطمة بنت أسد…
فقد أخذ الآن طريقًا آخر.

لم يعد نور مولد طفلٍ فقط… بل صار نور رسالة يحملها محمد ص إلى العالمين.

ومن مكة…
خرجت الكلمة التي بدأت في غار حراء…
ثم مضت من قلبٍ إلى قلب…
ومن جيل إلى جيل.

وهكذا…
لم تكن الأبواب التي أُغلقت في السماء نهاية الحكاية.

بل كان وراءها بابٌ أعظم… باب الوحي.

ومن ذلك الباب…
بدأت رحلة نور محمد ص في الأرض.

وهكذا…
بدأت الحكاية بنور… نورٌ حملته آمنة.
ثم وُلد في مكة.

وتحدثت الروايات عن علاماتٍ رافقت مولده… ثم جاءت لحظةٌ أخرى…
حين بدأ الوحي.

هناك…
لم يعد النور مولداً يُروى.
صار رسالةً تُحمل.
وصار محمد ص … رسول الله.

ومن غار حراء…
بدأت رحلة الكلمة التي غيّرت الإنسان…
وغيّرت وجه الأرض.

أما السماء… فقد أُغلقت أبوابٌ منها…
لكن باب أعظم فُتح… باب الوحي.

ولم يكن ذلك الباب نهاية الحكاية…
بل بداية نور سيبقى في الأرض… ما بقي فيها قلبٌ يبحث عن الله.

وهكذا…
كانت تلك حكايتنا… حكايةُ نورِ محمد ص.
حكايةٌ امتدت في خمسة أجزاء…
لكنها لم تنتهي.
فكيف لنورٍ أضاء الوجود… أن تنتهي حكايته؟

نورُ محمد ص… حكايةً لا تنتهي.


error: المحتوي محمي