15 , سبتمبر 2026

القطيف اليوم

الفوز على القريب خسارة

مجلسُ العائلة لم يُنشأ لتعلو فيه الأصوات، بل لتصفو فيه القلوب، ولم يُبنَ لتكثر فيه الخصومات، بل لتكثر فيه الصِّلات، ولم نجتمع فيه لنبحث عمّن غلب، بل عمّن أصلح وجمع وقرّب.

المنافسة على التكليف محمودة، والتسابق إلى خدمة الأهل مكرمة، والاجتهاد في نصرة الحق فضيلة؛ ولكن أيُّ فوزٍ هذا إن ربحتُ تصويتًا وخسرتُ عمًّا؟ وأيُّ نجاحٍ هذا إن كسبتُ نقاشًا وخسرتُ خالًا؟ وأيُّ مجلسٍ هذا إن عمرنا الجدران وهدمنا الوجدان، وجمعنا الأسماء وفرّقنا الأرحام؟

تذكّروا العباسَ مع أخيه الحسين عليهما السلام؛ لم يكن قربه نسبًا فقط، بل وفاءً ونخوة، وسندًا وطاعة، وموقفًا لا يتبدل ساعة الشدة والمحنة. وتذكّروا رسول الله ﷺ وأبناء عمومته، والإمام علي عليه السلام وما كان بينه وبين النبي من قربٍ ونصرة، فالقريب عند الشدائد ظهر، وعند النوائب ذخر، وعند اختلاف الرأي يبقى رحمًا لا خصمًا، وأهلًا لا غنمًا.

فلنذهب إلى الكبير ولو ظننا أننا على حق؛ فالتسامح لا يُصغّر الكبير بل يكبّره، ولا يُنقص القدر بل يرفعه، ولا يهزم صاحبه بل يهذّبه. ولنحتوِ الصغير إن أخطأ، ونشرح له إن التبس عليه الأمر؛ فالعائلة لا تُدار بكسر الخواطر، بل بجبرها، ولا تحفظها القسوة، بل الحكمة والمودّة.

ولنتذكر دائمًا: الطعن في القريب طعنٌ في الرحم، والحديث عنه انتقاصٌ من العرض، والانتصار عليه في الخصومة قد يكون هزيمةً في المودة.

مجلس العائلة ليس ساحة فوزٍ وخسارة، بل مساحة عفوٍ وعبادة، وتعاونٍ وسيادة، وصلة رحمٍ وكرامة.

فإن اختلفنا في الرأي، فلا نختلف في القلب، وإن تنافسنا في الخدمة، فلا نتخاصم في المحبة؛ لأن أجمل انتصارٍ في العائلة… أن نخرج جميعًا منها بقلوبٍ سليمة.


error: المحتوي محمي