لم يعد الخبر يطرق أبوابنا في أوقات محددة كما كان في الماضي، بل أصبح يسكن جيوبنا، يرافقنا إلى موائد الطعام، ومجالس الأصدقاء، وغرف النوم، وحتى إلى الأماكن التي نقصدها بحثا عن الراحة. نغلق شاشة لنفتح أخرى، ونغادر تطبيقا لندخل غيره، وكأن ثمة شيئا ما حدث في اللحظة التي قررنا فيها الابتعاد. هكذا تحول الاطلاع على الأخبار من وسيلة لمعرفة ما يجري إلى حالة من الترقب الدائم.
لعل جزءا من تفسير ذلك يعود إلى طبيعة قديمة في الإنسان. فعقولنا لم تتطور لتتعامل مع الأخبار بقدر متساو من الاهتمام، فالخطر كان دائما أكثر إلحاحا من الأمان. الإنسان القديم الذي كان ينتبه إلى حركة غريبة خلف الأشجار كانت فرص نجاته أكبر من ذلك الذي يتجاهلها. لهذا تعلّم الدماغ أن يمنح التهديد والألم والخسارة أولوية في الانتباه. تغير العالم، لكن ذلك الجرس القديم ما زال يعمل داخلنا.
المشكلة أن ما كان وسيلة للنجاة في بيئة محدودة أصبح اليوم يعمل في فضاء لا حدود له. لم يعد أمام الإنسان خطر واحد ينبغي أن ينتبه إليه، بل آلاف الأخبار والصور والتنبيهات.. حرب هنا، أزمة هناك، انهيار اقتصادي في مكان ما، جريمة، وباء، حادث، كارثة طبيعية، ثم توقعات وتحليلات ومقاطع قصيرة تعيد تدوير القلق نفسه بصور مختلفة. العقل الذي صمم أصلا لمراقبة محيط صغير أصبح اليوم مطالبا نفسيا بمراقبة كوكب كامل.
هنا التقت نقطة ضعف بشرية قديمة مع صناعة حديثة تعرف جيدا ما الذي يجذب انتباهنا. الخبر المطمئن نقرأه ونمضي، أما الخبر المخيف فيجعلنا نتوقف، ونفتح التفاصيل، ونبحث عن تحديث جديد، ثم نعود بعد دقائق لنتأكد: هل حدث شيء آخر؟ المفارقة أننا نظن أننا نبحث عن الاطمئنان، بينما قد تكون الطريقة التي نبحث بها عنه هي نفسها التي تزيد قلقنا. فكل تحديث يمنحنا راحة قصيرة، ثم يعيد السؤال من جديد: ماذا بعد؟
لهذا لم تعد المشكلة في متابعة الأخبار، بل في اختفاء الحدود بينها وبين الحياة. يسافر أحدنا ليستريح، لكنه يحمل العالم المضطرب معه في هاتفه. يجلس أمام البحر، والمنظر أمامه هادئ وجميل، بينما عقله يتنقل بين الحروب وأسواق المال وأحداث الدنيا التي ليس لها نهاية. يجتمع بأسرته، لكنه يغيب عنها كل بضع دقائق ليتفقد الشاشة. يدخل فراشه طلبا للنوم، ثم بفتح الشاشة ليلقي نظرة سريعة على آخر الأخبار، فإذا بالدقائق تمتد. الجسد في سريره بينما العقل يجوب مناطق الأزمات واحدة بعد أخرى.
الأشد خطورة أن كثرة التعرض للأخبار السيئة قد تغير تقديرنا للواقع نفسه. نحن لا نرى العالم كما هو بالضرورة، بل كما يصل إلينا باستمرار عبر الشاشات. إذا كان معظم ما يدخل وعينا هي صور للأزمات والصراعات والكوارث، فقد يبدأ الإنسان بالشعور أن العالم كله على وشك أن ينهار، وأن الخطر بات أقرب من أي وقت مضى، وأن المستقبل أشد قتامة مما يحتمله الإنسان. ليس لأن الخير اختفى، وإنما لأننا لم نعد نملك القدرة نفسها للمحافظة على هدوءنا ولو لدقائق معدودة.
هذا لا يعني بالضرورة أن نهرب من الواقع أو أن نعيش بمعزل عما يجري حولنا. الوعي ضرورة، ومعرفة الأحداث قد تكون مسؤولية، لكن المسؤولية لا تقتضي أن نحمل العالم على أكتافنا أربعاً وعشرين ساعة. يمكن أن نحدد وقتا لمتابعة الأخبار من مصادر موثوقة مرة واحدة في اليوم، بعدها نغلق التنبيهات غير الضرورية، ونعزل غرفة النوم ومائدة الطعام وأوقات الأسرة والسفر من هذا الاقتحام المستمر. ليست هذه قطيعة مع العالم، بل استعادة لحقنا في أن نعيش حياة يسودها الهدوء والسكينة.
ربما نحتاج اليوم إلى مهارة جديدة لم تكن الأجيال السابقة بحاجة إليها بهذا القدر: مهارة إغلاق النافذة. أن نعرف أن المعلومات التي لدينا كافية، وأنه قد حان الوقت لكي نضع الهاتف جانبا، وأن نقول لعقولنا إن معرفة الخبر بعد ساعة لن يغير العالم، لكنه قد يحفظ لنا ساعة من العمر.
لقد منحتنا التقنية قدرة مذهلة على معرفة ما يحدث في أقصى الأرض في لحظة لا تزيد على ثوان معدودة، لكنها للأسف لم تعلمنا كيف نحمي عقولنا من ثقل المعرفة. مسؤوليتنا هي أن نفهم أن الحياة ليست ما يحدث على الشاشات، هي ذلك الشخص الجالس أمامنا، والحديث الذي لم نكترث أن ننصت إليه، و البحر الذي سافرنا لنستمتع به، والكتاب الذي لم نفتحه، والنوم الذي أفسدته الأخبار، واللحظة الهادئة التي مرت دون أن نشعر بها.



