12 , سبتمبر 2026

القطيف اليوم

ما يُقال ولا يُقرَّر.. الأعراس مثالاً

لا يمكن أن نحل مشكلة طوابير البشر في مناسبات الزواج، ولن تُحل، ما دمنا لم نملك بعد الإرادة الجماعية لإيجاد مخرج يريح الضيف والمضيف معاً، مع أن المسألة، ليست معقدة، ولا تحتاج إلى معادلات رياضية، ولا إلى هندسة، ولا كيمياء ولا فيزياء، هي فقط تحتاج إلى إرادة وقرار.

الإخوة الأساتذة الكُتّاب، هنا وفي غير مكان، أفاضوا واستنفذوا المقترحات، ودارت الأحاديث والنقاشات حول الموضوع، وأدلى الجميع بدلائهم في مختلف النقاشات والصدامات، ولكن، وكما يبدو، ظلَّت الطوابير أكثر إصراراً على البقاء دون قدرةٍ منّا على إزالتها.

والحقيقة أن هذه «اللا مشكلة» و«اللا شائكة» حلّها، سهل ومتيسّر إذا ملكنا الإرادة لذلك، فقط علينا أن نكون جادين لنقرر، مع كامل التقدير لضيوفنا الذين استجابوا لدعواتنا وشرفونا.

نقرر ماذا؟ حسنًا، تعالوا ننظر إلى طوابير العزاء، “الفواتح”. ما رأيكم؟ أليست نسبة الحضور فيها قريبة من نسبة الحضور في الزواجات؟ لنتفق ونقل: تقريباً. وإذا لم نتفق على النسبة، فيكفينا أن نسأل سؤالاً سهلاً: لماذا يسير المعزُّون في الفواتح بانسيابية أفضل من المهنئين، حتى مع كثرتهم، وينتهون في وقت معقول، بينما يحدث العكس تماماً في الزواجات.

نظن الأسباب واضحة، وهي: اثنان أو ثلاثة، أو أكثر قليلا. وأحسبوا الوقت أنتم معي:

أولًا: المصافحة والتقبيل، ومعهما «شوية سوالف»

وهنا بعض الكلام، مع كامل الاحترام. ما الداعي إلى التقبيل؟ والذي لا يكتفي به البعضُ، بل يضيف إليه الاحتضان، وكأن المناسبة لا تكتمل إلا بالتأكد من وصول التهنئة إلى عمق القفص الصدري.

وليت الأمر مع العريس وحده فقط، بل هناك من يبدو أنه أقسم بينه وبين نفسه أن يقبّل جميع الوقوف، وكأن عليه نذرٌ واجبٌ لا يجوز له التحلل منه حتى ينهي الصف.

ولكن، لنسلّم جدلاً أن الضيف اكتفى بالعريس ووالده والأقربين الأوائل، لماذا التقبيل أصلًا؟ وأنت، أيها العزيز ستخرج بعد قليل، وتذهب مباشرة إلى أماكن الغسيل، وتغسل يديك بالماء والصابون، وربما يكون المطهّر في جيبك تحسباً للإطمئنان، بينما تستطيع أن تقي نفسك بالاقتصار على المصافحة. فقط إن تيسر لك الأمر، والسلام.

ثم، أليس العريس نفسه هو أولى الناس بالحماية والوقاية؟ فهو المقبل على أسعد أوقات عمره، فلماذا لا نقيه العدوى والأمراض، إذا كان أحد الكرام المهنئين مصاباً أو أكثر مصابون بعارض صحي موسمي أو غيره، لا سمح الله.

ألم نفكر في ذلك؟ أم أن بعض الضيوف يخشون أن يخرجوا ا من المناسبة وهم يشعرون أن تهنئتهم لم تصل كاملة، لأنهم لم يختموها بتقبيل العريس وذويه، ليأكدوا حضورهم.

ثانياً: التصوير، وهي مشكلة أخرى أكثر تعقيداً.

فبعد المصافحة والتقبيل، وبعض السوالف، يأتي الفصل التالي من الرواية وهو التصوير، وهنا يبدأ الضيف الكشف عن مواهب جديدة لم يكن يعرفها عن نفسه.

فقد يتوقف الضيف، أو يطلب منه التوقف أمام المصور لالتقاط صورة لشخصه الكريم، وربما يعيدها مرة ثانية وثالثة لأن الأولى والثانية «لم تضبطا»، ولا يكتفي، بل يسحب جواله من جيبه، ليلتقط «صورة العمر» مع العريس، ثم صورة أخرى. ثم أخرى ربما مع الأب، وأفراد العائلة.

كل ذلك والصف خلفه لا يزال ينتظر، وقد بدأ بعض الواقفين يحسب المسافة بينه وبين باب الخروج حساباً دقيقاً، فبعض الضيوف لا يتوقفون من تلقاء أنفسهم، بل يتوقفون عنوة بلا حول ولا قوة.

لا بأس بالصورة، ولا بأس بالفرح، ولا بأس بتوثيق اللحظة، لكن: ألا يمكن أن يكون ذلك بعيداً عن طابور التهاني؟، فلدينا جهة تصوير رسمية تم التعاقد معها بسروط، فلندع من يمثلها يقوم بعمله، وسوف يوثق بلا شكٍ ما طُلبَ منه،وباحترافية.

ثالثًا: تأخر العريس الذي عن حضور ممان التبريك، وهذه واحدة من الحكايات التي دخلت علينا عنوة، والحجة أنه في مكان التصوير أو الصالة مع حرمه وذويه، من اجل توثيق الحدث السعيد.

يدخل الضيوف، يتوافدون، يقفون، ينتظرون، ثم يُقال لهم أن العريس سيأتي بعد قليل، وبعد قليل هذه قد تكون التاسعة مساءً، أو تزيد. وربما يأتي العريس، ومعه والده أيضا الذي تأخر معه، بعد أن يكون عدد من الضيوف قد استوفوا نصيبهم من الانتظار، وأعادوا ترتيب أولوياتهمتلك الليلة، بعد أن غادروا.

يا جماعة الخير: إذا كان الضيوف قد دُعوا في وقت معين، فمن المنطقي أن يكون العريس موجوداً في الوقت الذي يتناسب مع حضورهم، فليس من المعقول أن يأتي المدعو في الموعد، ثم ينتظر صاحب المناسبة حتى يتفضل بالحضور لاستقباله.

رابعًا: الصفان والثلاثة… هل تحل المشكلة؟

قد يقول قائل: لماذا لا نجعلها صفين أو ثلاثة؟ فكرة جميلة، لكنها، في رأيي، لن تحقق الجدوى المرجوة ما لم يُنظَّم الأمر جيداً، فالصفان سيلتقيان في مكان ما.

وهناك، في «مضيق حيص بيص»، لتبدأ المجاملات: فالأول يقول: «تفضل أنت». والثاني يرد «لا، أنت أول». الأول: «أنت أكبر مني». والثاني: «أنت ضيفنا».

وهكذا، وبدل أن يمر شخصان في ثوانٍ، يصبح لدينا حوار اجتماعي كامل، وهذا وقت، إذا احتسبناه على كل اثنين من الضيوف، تحولت إلى دقائق، والدقائق إلى طابور، والطابور إلى معاناة جماعية.

وأما الصف الثالث، والذي قد يكون مخصصاً للسلام بالإشارة، فأظنه لا يحتاج إلى كثير من التفصيل، فلن يلتزم به أحد، لأن الضيف القادم من البعيد، وفي عزمه الإشارة، لن يكلف نفسه عناء الاصطفاف.

إذن… ماذا نفعل؟

الحل، في رأيي المتواضع، ليس صعباً، وهو كالآتي:

أولاً: تقليل المصافحة ومنع التقبيل. ويمكن تفادي ذلك بسهولة، مثل أن يوضع حاجزٌ بمسافة مناسبة بين المستقبلين والمدعوين، تكفي للسلام فقط.

ثانياً: منع التصوير الشخصي نهائياً أثناء المرور، والاكتفاء بما تقوم به جهة التصوير المتعاقد معها، فالصورة ستصل إن وثقت، وإن لم يحصل فهي مطبوعة في القلوب، ولن تنسى.

ثالثًا: وجود شخص مسؤول عن تنظيم الدخول عند نقطة التقاء الصفوف، وهذا مهم جداً، فوجود شخص يعرف متى يُدخل هذا ومتى يوجه ذاك، حتى لا تتحول المجاملة إلى عائق، فلا يعود لدينا، «تفضل أنت»، «لا، أنت أول».

رابعاً: أن يكون العريس موجوداً في الوقت المناسب، فالضيف حين يأتي في الموعد الذي دُعي إليه، من حقه أن يجد صاحب المناسبة في انتظاره، لا أن ينتظر هو حتى يتفضل العريس بالحضور.

نحن لا نريد أن نلغي المجاملة، ولا نريد أن نحول التهنئة إلى إجراء رسمي بارد، ولا نريد أن نمنع الفرح والصور والابتسامات، كل ما نريده ونقترحه هو قليل من التنظيم، وقليل من التنازل عن بعض العادات التي اعتدناها، حتى ظننا أنها جزء من المناسبة لا يمكن الاستغناء عنه، فالتهنئة لا تحتاج إلى قُبَل وأحضان، ولا إلى ثلاث صور، ولا إلى جلسة سوالف كاملة.

فيكفي أن تصافح وتقدم التهنئة، كما يكفي أن يرد عليك العريس بأفضل منها إن شاء الله، ثم تمضي، ويأتي الذي بعدك، في سلاسة واطمئنان وسعادة، وتنتهي مشكلة المشاكل.

والسلام.


error: المحتوي محمي