على رسلِكم، قبل أن أبدأ حكايتي، اسمحوا لي أن أصب لكم فنجان قهوة من قهوتي. وما سأرويه ليس بالضرورة حكايتي أنا، بل هي حكاية قد تكون لأي منا، حين يضعنا الكذب في موقف لا نحسد عليه.
كان لدي صديقة سأرمز لها بـ “س”، اعتادت أن تدّعي معرفة كل شيء وكل أحد. كلما ذُكر اسم في مجلسنا، بادرت قائلة: “أعرفه جيداً، تربطني به معرفة شخصية”.
صدقتها في البداية، حتى كشف لي الزمن أنها تجيد نسج الأكاذيب باحتراف.
وذات مساء، وبينما كنا نحتسي قهوتنا بهدوء، زارتني “س” بينما كانت تجلس عندي صديقتي “أ”، وهي كاتبة معروفة ليست من منطقتنا. وقبل أن أتمكن من التعريف بينهما، وقع بصر “س” على كتاب فوق الطاولة، فسارعت تقول بثقة: “مؤلفة هذا الكتاب إحدى قريباتي المقربات”، وأخذت تسرد قصصاً ومواقف جمعتها بها، بل وأكدت أن “أ” لا تكتب حرفاً دون أن تشاورها أولاً.
كانت الكاتبة تنصت باهتمام وابتسامة هادئة، وهي ترتشف قهوتها، ثم سألتها بلطف: “وهل ستعرفين صاحبة الكتاب لو رأيتِها الآن؟”
فأجابت “س” بضحكة عالية واثقة: “بالطبع!”
حينها فقط، عرّفت الكاتبة بنفسها. ساد صمت ثقيل، واكتسى وجه “س” بحمرة الخجل الشديد، ثم غادرت على الفور، وتركت فنجان قهوتها بارداً.
واحتراماً لموقف صديقتي أمام ضيفتي، وبعد انسحاب “س”، بادرتُ بالتوضيح للكاتبة بلطف، بأن “س” تمزح كثيراً دون قصد، حتى لا تأخذ عليها موقفاً.
ومنذ ذلك اليوم، صارت “س” تتجنبني، وإن جمعتنا الصدفة، لا تدّعي معرفة أحد. لقد كان درساً قاسياً لن تنساه.
فهل نحتاج حقاً لموقف محرج كهذا لنتوقف عن التظاهر؟ لا أظن، لكن مجرد تخيل أن أكون مكانها يربكني!
وقفة مع الكذب:
* مبدأ ترسخ منذ الطفولة: حباني الله بإنسانية فطرية تجاه إخواني فاقدي البصر. كان عمري ثماني سنوات حين نسيتُ أن أطعم أخي المرحوم نوري -رحمه الله- لانشغالي. ولما سألتني والدتي، كان بإمكاني أن أقول “نعم أطعمته” وأنجو، لكنني قلت بصدق: “لا، نسيت”. فنلتُ عقاباً، لكنها كانت ضريبة الصدق التي أدفعها راضية حتى اليوم. وهذا الموقف أرويه دوماً لطالباتي.
* ثقة أعتز بها: أكرمني الله بثقة من حولي، حتى أن زوجي -حفظه الله- يقول لي دائماً: أثق بكل كلمة تقولينها. وذات مرة قال: لو قلتِ لي في عز الصيف أن الدنيا تمطر، لما خرجتُ لأتأكد، لأني أثق بصدقكِ.
* الخلاصة التي أؤمن بها: هذه الثقة الغالية هي ما يجعلني أرى فداحة أن نفقد أحبتنا بسبب كذبة. فالكذب لا يأخذك إلا لمسافة قصيرة، وفي نهاية الطريق ستقف وجهاً لوجه أمام حقيقتك.
ونحن نلجأ للكذبات البيضاء الصغيرة يومياً، فهل هذا مقبول حقاً؟ ومتى قد لا يُعتبر الكذب أمراً خاطئاً؟
يا صديقتي، أرجو أن تسامحيني وتتفهمي مبادئي وموقفي.
وكما يقال: “الموت خيرٌ من الكذب”.
والآن، ارتشفوا ما بقي من قهوتكم على مهل، واسألوا أنفسكم: ماذا لو كنتِ هي؟!



