20 , سبتمبر 2026

القطيف اليوم

تغيّر ضغط الدم على مدار اليوم: لماذا يرتفع وينخفض؟

من أكثر الأمور التي تحيّر مريض ضغط الدم أن يجد أرقامًا مختلفة كلما أعاد القياس. قد يكون الضغط طبيعيًا في الصباح، ثم يرتفع قليلًا في الظهر، ويعود إلى الانخفاض مساءً. وهنا يبدأ القلق: لماذا يتغير الضغط؟ وأي قراءة هي الصحيحة؟ وهل يعني ارتفاعه في وقت معين أن العلاج لم يعد كافيًا؟

الحقيقة أن ضغط الدم ليس رقمًا ثابتًا، وإنما يتغير مع الوقت ومع نشاط الجسم وحالته النفسية والجسدية. لذلك فإن اختلاف القراءات خلال اليوم لا يعني بالضرورة وجود مشكلة.

ضغط الدم له إيقاعه اليومي

يميل ضغط الدم لدى كثير من الأشخاص إلى الارتفاع تدريجيًا مع الاستيقاظ والانتقال من النوم إلى اليقظة، ثم يتأثر بالنشاط والحركة والانفعالات خلال ساعات النهار، بينما ينخفض عادةً أثناء النوم.

وهذا التغير اليومي ليس أمرًا غريبًا؛ فضغط الدم، مثل كثير من وظائف الجسم، يتبع إيقاعًا يوميًا يتبدل مع ساعات اليوم. وقد يختلف هذا الإيقاع من شخص إلى آخر، كما قد يتغير لدى الشخص نفسه بحسب العمر والحالة الصحية والأدوية ونمط الحياة.

فعند المشي بسرعة، أو صعود الدرج، أو ممارسة الرياضة، يزداد احتياج العضلات إلى الدم، فيرتفع ضغط الدم مؤقتًا، ثم يبدأ بالانخفاض بعد التوقف والراحة.

كما يمكن للخوف والغضب والقلق والألم والاستعجال أن ترفع القراءة مؤقتًا، حتى إن بعض الأشخاص يشعرون بالتوتر لمجرد رؤية جهاز الضغط أمامهم.

ولهذا قد يكون ضغط بعض المرضى أعلى في عيادة الطبيب منه في المنزل، فيما يُعرف بتأثير المعطف الأبيض. والعكس ممكن أيضًا؛ فقد تكون القراءة طبيعية في العيادة بينما يرتفع الضغط في الحياة اليومية.

ليس كل ارتفاع في الضغط مرضيًا

كثيرًا ما يأتي المريض إلى العيادة وهو يحمل عدة قراءات مختلفة، ويظن أن اختلافها يعني أن ضغطه غير مستقر، بينما يكون السبب أحيانًا اختلاف وقت القياس أو النشاط أو الحالة النفسية.

وليس كل اختلاف بين قراءتين ناتجًا عن تغير حقيقي في ضغط الدم؛ فقد تكون طريقة القياس هي السبب.

فالقياس بعد شرب القهوة، أو التدخين، أو ممارسة الرياضة، أو أثناء الكلام، أو مع الجلوس بطريقة غير صحيحة، أو مع امتلاء المثانة، قد يعطي قراءة مختلفة.

لذلك يُفضَّل الجلوس بهدوء عدة دقائق قبل القياس، وإسناد الظهر والذراع، ووضع القدمين على الأرض، وعدم الحديث أثناء القياس، مع استخدام كفة ذات حجم مناسب للذراع.

كما يمكن لبعض الأطعمة، ولا سيما الوجبات الغنية بالملح، وبعض المشروبات المنبهة، والتدخين، وبعض الأدوية، أن تؤثر في ضغط الدم.

وتختلف أدوية ارتفاع الضغط في مدة تأثيرها وطريقة عملها، ولذلك قد يكون توقيت تناول الدواء جزءًا من خطة العلاج لدى بعض المرضى. لكن لا ينبغي تغيير الجرعة أو موعد الدواء لمجرد أن قراءة واحدة ارتفعت أو انخفضت، إلا بعد استشارة الطبيب.

ولو قاس شخص ضغطه بعد الاستيقاظ مباشرة، ثم تناول القهوة وصعد الدرج مسرعًا، ثم قاس الضغط مرة أخرى، فمن الطبيعي ألا تكون القراءتان متطابقتين.

أما إذا جلس بهدوء، واستخدم الطريقة نفسها في كل مرة، وقاس ضغطه في أوقات منتظمة على مدى عدة أيام، فإن مجموعة القراءات تعطي صورة أكثر فائدة من قراءة منفردة.

ومن المهم أيضًا ألا يتحول القياس إلى مصدر قلق بحد ذاته؛ فبعض الأشخاص يعيدون قياس الضغط مرات متتالية لمجرد أن الرقم الأول لم يعجبهم، فيدخلون في دائرة من القلق ومراقبة كل تغير صغير.

من النوم إلى اليقظة: متى يصبح التغير مهمًا؟

ينخفض ضغط الدم أثناء النوم لدى كثير من الأشخاص مقارنة بفترة اليقظة، وهذا الانخفاض جزء من النمط الطبيعي للضغط.

لكن درجة الانخفاض تختلف من شخص إلى آخر، وقد لا تحدث بالقدر المتوقع لدى بعض المرضى. ولهذا قد يلجأ الطبيب، عند الحاجة، إلى جهاز قياس الضغط المتنقل لمدة 24 ساعة، الذي يسجل القراءات خلال النهار والليل ويعطي صورة أوضح عن سلوك الضغط.

وهنا يمكن القول إن قراءة الضغط هي لقطة، أما القياس المتنقل لمدة 24 ساعة فيعطي فيلمًا؛ فهو يساعد الطبيب على معرفة ما يحدث للضغط أثناء العمل والراحة والنوم.

وليس المطلوب أن تكون جميع القراءات متساوية؛ فهذا غير متوقع. فارتفاع الضغط مع النشاط أو الانفعال، ثم انخفاضه بعد الراحة، يمكن أن يكون جزءًا من التغير الطبيعي.

أما إذا أصبحت القراءات المرتفعة متكررة أو غير مفسرة، أو كان التذبذب كبيرًا ومستمرًا، فهنا يستحق الأمر تقييمًا طبيًا لمعرفة السبب ونمط الضغط على مدار اليوم.

والأهم أن الحكم لا يكون من قراءة واحدة، وإنما من مجموعة قراءات صحيحة ومتكررة، تؤخذ في ظروف مناسبة.

ومن الأخطاء الشائعة أن يقيس المريض ضغطه، فإذا وجده مرتفعًا أخذ جرعة إضافية من الدواء من تلقاء نفسه، وإذا وجده منخفضًا أوقف العلاج. هذا التصرف قد يؤدي إلى اضطراب أكبر في الضغط.

الأفضل تسجيل القراءات مع وقت القياس والظروف المحيطة بها، ثم عرضها على الطبيب عند الحاجة. فالقرار العلاجي يُبنى على النمط العام للضغط، والحالة الصحية، والأدوية المستخدمة، وليس على رقم منفرد.

متى يتحول ارتفاع الضغط إلى حالة تستدعي الاهتمام؟

ليست كل قراءة مرتفعة حالة طارئة، لكن إذا كانت قراءة ضغط الدم مرتفعة جدًا، خصوصًا إذا ترافق ذلك مع أعراض مثل صداع شديد، أو ألم أو ضغط في الصدر، أو ضيق شديد في التنفس، أو اضطراب في الوعي، أو ضعف مفاجئ في أحد الأطراف، أو صعوبة في الكلام، أو اضطراب شديد في الرؤية، فهنا لا ينبغي الاكتفاء بإعادة القياس في المنزل، بل يجب طلب تقييم طبي عاجل.

ليس المطلوب أن يطارد الإنسان الرقم طوال اليوم، وإنما أن يقيس ضغطه بطريقة صحيحة وفي أوقات مناسبة، ويسجل القراءات لعدة أيام عندما يطلب الطبيب ذلك.

فالطبيب لا يبحث عن رقم واحد مثالي، وإنما يحاول أن يفهم قصة ضغط الدم كاملة: متى يرتفع؟ متى ينخفض؟ وما الظروف التي تؤثر فيه؟

الخلاصة

ضغط الدم ليس صورة ثابتة، بل هو فيلم يتغير مع الزمن.

يتأثر بالنشاط والانفعال والطعام والمنبهات والأدوية وطريقة القياس، ويميل غالبًا إلى الانخفاض أثناء النوم.

لذلك لا تجعل كل تغير صغير مصدرًا للقلق، ولا تتخذ قرارًا بتغيير العلاج بناءً على قراءة منفردة.

راقب النمط، لا الرقم المنفرد؛ فالمهم ليس أن يبقى ضغط الدم ثابتًا طوال اليوم، وإنما أن يكون ضمن المستوى المناسب في أوقات اليقظة والنوم.


error: المحتوي محمي