بعد صيفٍ طويل يكاد يولد فصل جديد. بالتأكيد لم يبرد الطقس بعد بما يكفي لبدء موسم الزرع في القطيف إنما الأرض تحتاج من يصلحها قبل البذر.
يقال أن القطيف كلمة فيها اشتقاق من القطف. الاشتقاق بيّن جدًّا عندما تمر بما بقي من بساتين ومزارع القطيف في مثل هذه الأيام من شهر سبتمبر.
فجر يوم الاثنين، السابع من سبتمبر، عبرتُ أحد الطرق الزراعية في القطيف. رأيت الأرضَ لا تزال عارية من الخضرة التي عادة ما تكسوها في الأجواء المعتدلة الحرارة. أرض ميتة لكن الرائحة توحي عما قريب تهتز الأرضُ ويتبدل المنظر!
في هذه الأيام - من شهر سبتمبر - تلاقيك رائحةٌ "مختلفة"، رائحة السماد لا تخفى على من عرف الأرض. هكذا تبدأ دورة خيرات الأرض؛ سواعد لوحتها الشمسُ تقلب الأرضَ وتغذيها بالسماد. تبذر فيها حبًّا مختلف الأنواع من الخضروات الشهية ومن ثمّ إلى مطابخنا. دورة تبدو بسيطة لكنها مليئة بالجهد والتعب، تعب الزارع.
علمتني رائحة الأرض أن أطري على الأرض وعلى من يرعاها ويزرعها. أن أثني على من يعمل تحت وهج الشمس في الخريف وفي برد الشتاء لكي يأكل من أرضه ويطعم غيره.
رائحة مألوفة كصديق قديم يزورنا في نفس الوقت من كل سنة. للروائح قدرةٌ على استحضار الذكريات؛ ولسببٍ ما، تعيدني رائحة الأرض إلى أيامٍ نشأتُ في جزيرة تاروت، إلى ذكريات بيتنا القديم الذي كنا نسكنه بين الزرع والنخيل.
لا تسأل فلاحًا إن كان يحب الأرض؟
أبي - رحمه الله - قضى سنوات عمره في خدمة الأرض. سنوات أنسٍ بينه وبين الأرض. سنوات ألفة دامت كل سنوات عمره السبعينيّ. لم تنتهي العلاقة إلا بعد موته رحمه الله تعالى. ما حالَ تعب المهنة بينه وبين محبة الأرض والزرع أبدًا! كانت الأرض في عقله أولًا مساحةً لكي يكون فيها أو لا يكون، ثمّ مساحة للزرع والحصاد.
أجزم أنّ بين الفلاح والأرض علاقة لا يفهمها إلا الفلاح! يُحييها وتحييه، يُعطيها وتعطيه. قد لا تكون مهنة الزراعة، أو الفلاحة، من أعظم المهن دخلًا وثروة للمزارع والفلاح، مع ذلك لا تسأله عن السنوات التي يصرفها في رفقة الأرض ولا عن التعب! الزراعة ليست مجرد مهنة، بل هي أسلوب حياة لا يعشقه كلّ أحد.
طوبى لم يحيي الأرض! عمل الفلاح والمزارع في الأرض نابعٌ من الشغف والمحبة؛ جهد شاق، صبر على ساعات طويلة في زراعة المحاصيل والعناية بالأرض. رغم أن الأمر ليس سهلاً دائماً، إلا أن المزارع يواصل عمله، يدفعه شغفه للمهنة ورغبته في توفير الغذاء للآخرين وتلبية احتياجاتهم.



