20 , سبتمبر 2026

القطيف اليوم

لماذا نُسقِط مَن ينبغي أن نرفع؟

الاخ هو ابن الاب او ابن العم او ابن الخال او العمة و الخالة لذلك من أغرب ما يوجع القلب، ويكسر الود، ويهدم صفاء القرب؛ أن يأتي الثناء للأخ من بعيد، بينما يأتي الانتقاص له من قريب، وأن يصفق له الناس في المجتمع، ثم يجد في بعض أهله من يطفئ نوره، ويهوّن أمره، ويبحث عن عثرته، وكأن نجاح الأخ هزيمة، وتألقه جريمة، وتميّزه خصومة لا غنيمة.

فلماذا إذا أثنى الغريب على أخيك قلت: «أنت لا تعرفه جيدًا»؟ ولماذا لا تقول بدلًا منها: «هذا أخي، وأنا أفخر به»؟

إن الأخ لا ينبغي أن يكون منافسًا تُسقِطه، بل سندًا تُقيمه، ولا خصمًا تهزمه، بل ظهرًا تتقوّى به؛ وقد قال الله تعالى لموسى عليه السلام: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: 35]. فتأمل التعبير: لم يقل سنُضعف أخاك لتقوى، بل سنقوّيك بأخيك؛ لأن قوة الأخ من قوة أخيه، ورفعة الواحد رفعة لأهله وذويه.

والقرآن عرض لنا الوجه الآخر حين يتحول نجاح الأخ إلى غيرة، والغيرة إلى حسد، والحسد إلى عدوان. قال إخوة يوسف: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ [يوسف: 8]، ثم قادتهم المقارنة إلى قول خطير: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ [يوسف: 9]. بدأت المسألة بشعور في الصدر، ثم صارت فكرة في العقل، ثم تحولت إلى مؤامرة وفعل، وكانت النتيجة حزن أب، وتمزق إخوة، وذنب حملوه سنوات طويلة.

لكن يوسف عليه السلام حين أصبح قويًا لم يرد الإسقاط بالإسقاط، ولا الانتقام بالانتقام، بل قال لإخوته: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: 92]. وهنا الفرق بين نفسٍ صغيرة تبحث عن كسر الآخرين، ونفسٍ كبيرة تبحث عن جمع القلوب وغفران الزلات.

وفي المقابل، يعرض القرآن صورة الأخ الذي يكون عونًا لأخيه، كما طلب موسى عليه السلام من ربه: ﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي ۝ هَارُونَ أَخِي ۝ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: 29-31]. لم يخشَ موسى من قوة هارون، ولم يقل: لعل الناس يحبونه أكثر مني، أو يستمعون إليه أكثر مني؛ بل رأى في قوة أخيه قوة له، وفي فصاحته عونًا له، وفي نجاحه نجاحًا للرسالة كلها.

وهكذا ينبغي أن تكون العائلة: إذا نجح واحد فرح الجميع، وإذا ارتفع واحد ارتفع اسم الجميع، وإذا لمع واحد صار نوره مصباحًا لا نارًا، وفخرًا لا غيرة، وقدوة لا خصومة.

والعجيب أن بعض الناس يتمنى أن ينجح أبناؤه جميعًا، ثم لا يحتمل نجاح أخيه! فاسأل نفسك: لو رأيت أبناءك غدًا يُسقط بعضهم بعضًا، ويسخر بعضهم من إنجاز بعض، ويحارب الواحد منهم سمعة أخيه، فهل ستفرح؟ أم سيحترق قلبك وأنت ترى من ربيتهم على مائدة واحدة يتناحرون على كلمة ثناء ومكانة؟

ما لا ترضاه لأولادك، لا ترضه لإخوتك.

والغبطة خير من الحسد، والفرح خير من الكمد، والعمل خير من النقد، والاجتهاد خير من ترقب العثرات؛ فلكل مجتهد نصيب، ولكل ساعٍ حظ من التعب والتجريب. وإن رأيت أخاك سابقًا فلا تجرّه إلى الخلف، بل أسرع أنت إلى الأمام؛ فالميدان واسع، والخير شاسع، والنجاح لا ينقص إذا تقاسمه الناس بل يزداد.

ولا تجعل نجاح قريبك مرآة لنقصك، بل اجعله دليلًا على إمكان نجاحك. قل: ما دام واحد من عائلتنا قد استطاع، فنحن نستطيع. وما دام نجم خرج من بيتنا، فربما تخرج منه نجوم أخرى.

إن العائلة القوية ليست التي يخلو أفرادها من الناجحين حتى لا يغار أحد، بل التي إذا نجح واحد احتفل به الجميع، وإذا تعثر واحد حمله الجميع، وإذا مدحه الغريب سبقه القريب، وإذا ارتفع اسمه ارتفعت معه صدور أهله بالفخر والمحبة والترحيب.

فارفع أخاك يرفعك الله، وافرَح له يفرح بك، واذكر جميله كما تحب أن يذكر الناس جميلك؛ فالحياة أقصر من أن نقضيها في إسقاط بعضنا، والأهل أغلى من أن نحولهم إلى خصوم، والنجاح أجمل حين يكون مظلة يتفيأ تحتها الجميع، لا سلّمًا يصعد عليه واحد فوق ظهور الآخرين.

شدّ أزر أخيك، ولا تكسر ظهره؛ فربما كان يومًا سندك حين تنفضّ عنك الوجوه، ويبقى هو أقرب القلوب وأصدقها.


error: المحتوي محمي