من أعظم مضامين الصلاة الروحية و التربوية هو السجود و تمكين الأعضاء السبعة على الأرض ، بنحو معرفي عميق يدل على ما يحمله المصلي من دلالة على المقام العالي للخالق العظيم ، و إعلان عملي عن خلع رداء التكبّر و تحكّم مركزية الأنا ، كما أنه استشعار الافتقار للتدبير الإلهي في كل شيء في حياته ، و هذه المعرفة الإيمانية تقوده إلى ميدان القرب من الله تعالى و الخضوع للأحكام الشرعية ، و هذا يعني تجنّب طريق الاستعلاء و الخيلاء و تضخّم الذات بسبب امتلاك شيء طفيف من أسباب القوة و الاقتدار .
فحين يضع المؤمن أشرف موضع في بدنه على التراب يسمو في آفاق الحقيقة و الطمأنينة و الهدوء النفسي ، و يتعلم درسا مهما يتعلّق بالعظمة الحقيقية التي يمكن أن يصل إليها و ينالها و لو بمستويات محدودة ، فعندما يظهر سلطان العبودية في القلب و يستشعر فيها المصلي مقامه و مكانته بالقرب من الطهارة النفسية و يقظة الضمير أمام الملوّثات من الرذائل و النقائص ، حينئذ يتجلّى السجود كقيمة و تحفة عرفانية يتراجع فيها الأنا و حب النفس السلبي عن عرشه و عليائه الموهوم .
و ذلك أن الإنسان قد يمارس هيئة السجود و يضع جبهته على الأرض ، و مع ذلك فإن فؤاده الفارغ لا تتحرّك فيه مشاعر الخضوع و التذلل ، و لا فكره يتخلّى عن أوهام التكبّر و استنطاق مكانة مرموقة لنفسه بسبب تحصيل مالي أو وظيفي أو مكانة وجاهتية أو ذكاء علمي أو غيره ، فالإنسان قد يسجد ببدنه بينما تبقى نفسه الخاوية و المسيطر عليها من الأوهام قائمة متعالية لا تبصر الحقائق ، تسير في طريق إثبات الذات و تبحث عن المدح و الانتصارات المزعومة ، في صدّ واضح عن القيم التربوية التي يكتسبها المصلي من السجود عندما يمكّن أعضاءه بيد التواضع أمام الحق عز و جل .
فللسجود حقيقة مهمة تتجاوز حركته الظاهرية و تتعلّق بصناعة النفس تربويا ، من خلال الانكسار الداخلي لروح التكبّر و الغرور و حب الظهور أمام أضواء المدح و الثناء ، بينما الصلاة الواعية تنقل المؤمن في السجود إلى أقرب أحوال العبد إلى ربه و أعظمها ، فهذا القرب يعني قمة و ذروة العبودية لله تعالى و استشعار الافتقار إلى رحمته و لطفه و تدبيره .
و هكذا يتعلّم بأن قيمته لا تنشأ أبدا مما يمتلكه من مال أو جاه أو معرفة وهبه إياه الباري عز و جل ليكون في دائرة الاختبار ، بل يكمن في مقدار صدقه و همته في ميدان العبودية لله تعالى و تحصيل القيم الإيمانية المكتسبة منه ، و بالطبع فإن تلك التربية السجودية تنبسط على سلوكيات المصلي و تصرفاته مع الآخرين كتجسيد عملي لتلك العبودية لله تعالى ، فينعكس ذلك على أخلاقه و طريقة تعامله الحسنة مع الآخرين و حفظ حقوقهم ، فيتواضع للناس و لا ينظر إليهم من برج الأنا العالي و يتجنب الإساءة للغير ، كما أنه يتقبّل النصيحة و النقد الإيجابي لما يصدر منه من فكرة أو سلوك ، و هذا ما يهبه مرونة معرفية و سلوكية يتجلّى عنها القدرة على التراجع عن الخطأ دون مكابرة أو عزة بالإثم .



