06 , سبتمبر 2026

القطيف اليوم

دباب المساجد.. حين يدخل الذباب إلى بيوت الله

كم هو مزعج ذلك الكائن الصغير الذي نعرفه باسم الذباب؛ حشرة صغيرة في حجمها، لكنها قد تكون كبيرة في إزعاجها وأضرارها، حتى أصبحت في الوعي الإنساني رمزًا للقذارة والبيئات الملوثة.

لكن، عزيزي القارئ، قد يتبادر إلى ذهنك سؤال مشروع: ما العلاقة بين الذباب والمساجد وبيوت الله ودور العبادة؟

قد يبدو العنوان غريبًا للوهلة الأولى، وربما مستفزًا لبعض القراء، ولكنني لا أقصد بالذباب هنا الحشرة المعروفة، وإنما أقصد به سلوكًا بشريًا قد يتسلل إلى بعض الأماكن الطاهرة، فيحوّل أجواءها الروحانية والأخوية إلى بيئة مليئة بالتوتر والمشكلات والخصومات.

وأرجو من الله العلي القدير أن أوفق في إيصال الفكرة بصورة واضحة وميسرة، بعيدًا عن التجريح أو الإساءة إلى أحد، وأن تكون الرسالة نافعة لي أولًا، ولكل من تكرّم بقراءة هذه السطور.

الذباب, حشرة صغيرة وأثرها كبير,,

الذباب اسم يطلق على مجموعة واسعة من الحشرات، ومن أشهرها ذبابة المنزل، وهي التي نشاهدها بكثرة في المنازل والأسواق والمطاعم والأماكن التي تتجمع فيها النفايات والمخلفات وبقايا الأطعمة.

وتكمن خطورتها في طبيعة البيئات التي قد توجد فيها؛ فهي تنتقل بين أماكن مختلفة، وقد تلامس القاذورات والفضلات ثم تنتقل إلى أماكن أخرى، ولذلك ارتبط وجودها في الوعي العام بالبيئات غير النظيفة، وأصبح التخلص منها والمحافظة على النظافة من أهم وسائل الوقاية منها.

ولعل في هذا الكائن الصغير درسًا أكبر من حجمه؛ فكما أن الذباب يبحث عن البيئة التي يجد فيها ما يناسبه، فإن بعض البشر يبحثون كذلك عن البيئات التي تتغذى فيها عاداتهم وسلوكياتهم السلبية.

وهنا تبدأ الحكاية,,

عندما يتحول السلوك إلى “ذباب اجتماعي”

هناك بعض البشر الذين قد يصبح سلوكهم مع الآخرين شبيهًا، من الناحية الرمزية، بسلوك الذباب؛ يقتربون من مواطن الخلاف، وينجذبون إلى المشكلات، ويتغذون على القيل والقال، ويتنقلون بالأخبار والشائعات من مجلس إلى آخر.

وقد لا يشعر الإنسان أحيانًا بأنه أصبح مصدرًا لإزعاج الآخرين، لأنه ينشغل بعيوب المجتمع عن رؤية عيوبه هو.

وقد وصف القرآن الكريم هذا السلوك بأشد العبارات حين قال تعالى:

«﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾
(الحجرات: 12)»

فالكلمة قد تكون صغيرة في حجمها، لكنها كبيرة في أثرها؛ قد تصلح بين شخصين، وقد تفسد بينهما، وقد تبني علاقة، وقد تهدمها، وقد تجمع قلوبًا، وقد تشعل خصومة لا تنتهي.

والمشكلة حين يدخل “الذباب الاجتماعي” المسجد ,,

المشكلة الحقيقية لا تكمن في وجود شخصية مزعجة في المجتمع فحسب، وإنما تكبر حين تدخل هذه العقلية إلى بيوت الله، وتفرض نفسها على المصلين ورواد المساجد، فتبدأ في تلويث الأجواء الروحانية والأخوية التي جاء الناس من أجلها.

المسجد ليس مكانًا للصراعات الشخصية، ولا ميدانًا لإثبات النفوذ، ولا ساحة لتصفية الحسابات، ولا منصة لممارسة الوصاية على الناس.

المسجد بيت من بيوت الله، يقصده الناس للصلاة والعبادة والذكر والتقارب والتآلف، ولذلك ينبغي أن يشعر الداخل إليه بالأمان والسكينة والاحترام.

قال تعالى:

«﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾
(النور: 36)»

فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد أذن أن تُرفع بيوته ويُذكر فيها اسمه، فكيف يليق بالإنسان أن يجعل منها مكانًا للتنمر أو الخصومة أو الإقصاء أو التجريح؟

خادم المسجد.. لا سيد المسجد ,,

من أجمل المفاهيم التي ينبغي أن نرسخها في ثقافة العمل التطوعي داخل المساجد ودور العبادة أن من يخدم فيها هو خادم لبيت من بيوت الرحمن، وليس مالكًا له، ولا رئيسًا على رواده.

إن خدمة المسجد شرف ومسؤولية، وليست امتيازًا يمنح الإنسان سلطة على الآخرين.

وقد ورد عن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام:

««رأسُ العقلِ مداراةُ الناس».»

فالمسجد يجمع الصغير والكبير، والعالم والمتعلم، والمثقف والبسيط، والهادئ والانفعالي، ومن هنا فإن التعامل مع رواده يحتاج إلى عقل راجح، وصدر رحب، وأخلاق عالية.

ليس كل من دخل المسجد يمتلك الدرجة نفسها من الوعي أو المعرفة، ولذلك فإن مهمة الخادم الحقيقي ليست أن يستعرض معرفته أمام الناس، وإنما أن يحتويهم ويعلّمهم ويحترمهم ويقودهم بالحكمة والموعظة الحسنة.

قال تعالى:

«﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
(النحل: 125)»

وهذه الآية ليست درسًا للدعاة وحدهم، بل هي منهج في التعامل الإنساني كله.

من يخدم بيوت الرحمن يجب أن يكون مؤهلًا ..

إن اختيار المتطوعين والعاملين في المساجد ليس أمرًا هامشيًا، بل مسؤولية كبيرة؛ لأن الإنسان الذي يتولى خدمة الناس في بيت الله يمثل، ولو بصورة غير مباشرة، صورة عن أخلاق المسجد ورسالة المكان.

ولهذا فإن من المهم أن يكون المتطوع مؤهلًا في فن التعامل مع الناس، وإدارة الاختلاف، وضبط النفس، وفهم طبيعة المجتمع، واحترام التنوع في مستويات التفكير والثقافة.

كما يحتاج إلى فهم ديني صحيح يدعوه إلى الرحمة واللين والمحبة، لا إلى التشدد والتنفير

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

««إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق».»

فإذا كانت الرسالة النبوية قائمة على إتمام مكارم الأخلاق، فكيف يمكن أن يكون التعامل داخل بيوت الله قائمًا على القسوة أو الإهانة أو الاستعلاء؟

وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام:

««كونوا لنا زينًا ولا تكونوا علينا شينًا».»

وما أجمل أن نجعل هذا الحديث ميزانًا لكل من يعمل في المجال الديني والاجتماعي: هل سلوكي زينة للمكان الذي أخدم فيه، أم أنني أكون سببًا في تنفير الناس منه؟

المسجد للجميع ,,

من الأخطاء الكبيرة أن يشعر أحد العاملين في المسجد بأنه صاحب الحق الحصري في المكان، أو أن يرى نفسه أعلى منزلة من بقية المصلين.

المسجد للجميع، وكل من دخله ضيف على الله..

ومن يخدم المسجد ينبغي أن يدرك أن عمله عبادة ومسؤولية وأمانة، وليس طريقًا للحصول على سلطة اجتماعية أو وجاهة شخصية.

ولا ينبغي أن ينتظر من الناس شكرًا ولا جزاءً ولا مكافأة معنوية، بل يجعل أجره عند الله سبحانه وتعالى.

قال تعالى:

«﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾.»

وهنا يكمن الفرق بين من يخدم لأنه يحب الله، ومن يخدم لأنه يحب السلطة.

الأول يبحث عن رضا الله، والثاني قد يبحث عن رضا نفسه.

الإدارة رأس الجسد ..

ومع ذلك، لا ينبغي أن نغفل عن أهمية الإدارة والتنظيم.

فكل مؤسسة، سواء كانت ربحية أو غير ربحية، تحتاج إلى إدارة واعية تعرف كيف تنظم العمل، وتحفظ الحقوق، وتوزع المسؤوليات، وتمنع الفوضى، وتعالج المشكلات قبل أن تتضخم.

والإدارة في أي كيان هي بمثابة الرأس من الجسد؛ فإذا صلحت الإدارة واستندت إلى الكفاءة والأخلاق والحكمة، انعكس ذلك على المؤسسة كلها، وإذا اختل الاختيار الإداري أو تم بناء المسؤوليات على المجاملات والعلاقات الشخصية، فقد يجد الكيان نفسه، عاجلًا أو آجلًا، في مهب الريح.

ولهذا فإن اختيار المسؤولين والمتطوعين في المؤسسات الدينية والاجتماعية ينبغي ألا يكون عشوائيًا، بل يجب أن يقوم على الكفاءة والأمانة وحسن الخلق والقدرة على تحمل المسؤولية.

قال تعالى:

«﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾
(القصص: 26)»

فالقوة بلا أمانة قد تتحول إلى تسلط، والأمانة بلا كفاءة قد تعجز عن إدارة المسؤولية، أما اجتماع الكفاءة والأمانة فهو الأساس الذي تبنى عليه المؤسسات الناجحة.

وأخيرًا…

ليس المقصود من هذا المقال الإساءة إلى أحد، ولا وصف أشخاص بأوصاف جارحة، وإنما هو دعوة إلى مراجعة الذات.

فربما يكون “ذباب المساجد” أحيانًا شخصًا نراه في الآخرين، بينما هو موجود في بعض سلوكياتنا نحن.

قد يكون فينا من ينقل الكلام، أو يضخم الخلاف، أو يتدخل فيما لا يعنيه، أو يفرض رأيه، أو يستغل موقعه، أو يظن أن خدمة المسجد تمنحه حق السيطرة على الآخرين.

وهنا علينا جميعًا أن نتوقف قليلًا أمام المرآة، ونسأل أنفسنا:

هل وجودي في المسجد يضيف إلى المكان سكينة ومحبة وألفة، أم يضيف إليه توترًا وخصومة ونفورًا؟

فالمسجد الذي يجمع الناس على الصلاة ينبغي أن يجمعهم أيضًا على المحبة.

والمسجد الذي يعلّم الناس الوقوف بين يدي الله، ينبغي أن يعلّمهم كذلك كيف يقفون إلى جانب بعضهم بعضًا.

أما إذا تحول بيت الله إلى مكان للخصومات والاستعلاء والتنمر وإقصاء الآخرين، فقد فقدنا شيئًا من جوهر الرسالة التي من أجلها وُجد المسجد.

ولعل أجمل ما نختم به قول الله تعالى:

«﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾
(الجن: 18)»

فالمساجد لله، وخدمتها شرف، وروادها أمانة، وأجواؤها مسؤولية، ومن يدخلها ينبغي أن يخرج منها أكثر طمأنينةً وإيمانًا ومحبةً للناس، لا أكثر غضبًا وخصومةً ونفورًا منهم.

فلنطرد الذباب من المساجد ,,,

ليس بالمبيدات، وإنما بالأخلاق.

ولنحمي بيوت الله من كل سلوك يلوث روحها، ولنجعلها كما أرادها الله: بيوتًا للسكينة والعبادة والأخوة ومكارم الأخلاق.


error: المحتوي محمي