كانت نيجيريا آخر المحطات، وربما أكثرها إثارة للقلق الصحي حتى قبل أن أصل إليها. رحلة تدريس سبقتها قائمة طويلة من الاحتياطات الصحية: لقاح الحمى الصفراء، والتيفوئيد، والتهاب الكبد الفيروسي A، ثم تسع عشرة حبة للوقاية من الملاريا خلال الرحلة؛ تلك بلا شك كمية من الاستعدادات تجعلك تتساءل قبل السفر إن كانت الرحلة تستحق كل هذا العناء؟ عندما وصلت إلى المطار وجدت ثلاثة أشخاص يتعاقبون على استقبالي؛ الأول عند الجوازات، الذي بدوره سلمني إلى رجل آخر عند مواقف السيارات، والذي اصطحبني إلى السائق. لم يكن هذا الترتيب كافيًا لأطمئن إلى المكان، بل أوحى إليّ بالعكس من ذلك. في الفندق، أنهيت إجراءات الدخول، ثم جاءت مسألة الدفع؛ استوقفني انهم فقط يقبلون ألف دولار نقدًا والباقي بالبطاقة. الحمد لله، مرت البطاقة بسلام، واجتاز معها أول امتحان صغير في السفرة.
لكن الفحص الحقيقي بدأ في قاعة التدريب. فوجئت بان الطلاب يتحدثون الإنجليزية بطلاقة، تميل إلى البريطانية، ولكن بنعومة وسرعة جعلت من ملاحقة بعض أسئلتهم أصعب عليّ من المادة التي كنت بصدد شرحها! ثم أوقفني شيء آخر: كثرة الأسئلة. لم تكن تساؤلاتهم تتمحور دائمًا عند حدود الكورس، بل كانت تقفز احيانا إلى موضوعات متصلة به من هنا وهناك. وفي البداية قد ينزعج المدرس من ذلك؛ فهو أمام منهج ووقت محدد وموضوعات ينبغي إتمامها. لكنني وجدت لهذا السلوك تفسيرًا آخر: معظمهم مهندسون، والمهندس بطبيعته لا يحب أن يضع المعلومة الجديدة في صندوق مغلق، بل يحاول وصلها بما يعرف. تمنحه معلومة، فيبحث عن علاقتها بما قد تعلم، ثم يسأل عن ثالثة، وفجأة تجد نفسك على بعد خطوات من الشريحة المعروضة أمامك!
هذه التجربة أعادتني إلى قاعات أخرى كثيرة دخلتها خلال سنوات التدريس. بدا بالخليج مثلا حيث كان عدد كبير ممن درّستهم من الهنود، وأكثر ما بقي في ذاكرتي عنهم إصرارهم على النجاح. ينتهي وقت التدريب العملي وأغادر القاعة، فيبقى بعضهم يعمل على الأجهزة ويكرر القياسات والتوصيلات حتى الغروب. لم يكن النجاح بالنسبة إليهم أمنية تنتظر النتيجة، بل اضحى ضرورة و "must". ولذلك كنت ألاحظ ارتفاع نسبة النجاح بينهم. اما في أذربيجان، حيث كان كثير من الحضور يتحدثون الروسية وكانت الإنجليزية عائقًا بسيطًا لهم، وجدت فيهم جدية واضحة في الجزء العملي من الكورس واجتهادًا في الدرس، وتقديرا للمدرس حيث حصلت هناك على أعلى التقييمات مطلقا؛ وهي مفارقة لطيفة، فاللغة لم تكن مثالية بيننا، ولكن رسالة التقدير كانت جلية.
كوريا الجنوبية كان للوقت فيها قيمة لا تكاد تخطئها. الالتزام شديد، والانضباط واضح، لكن الإنجليزية كانت عائقًا قويا لدى عدد من الطلاب، على الجانب الاخر فان الأسئلة قليلة بصورة لافتة. وحين استغربت لذلك، قيل لي إن من الأدب وشدة احترام المدرس في ثقافتهم ألا يكثر الطالب من السؤال. كنت أمام ثقافة مختلفة تمنح المدرس احترامًا كبيرًا، توقير له كلفة تعليمية سلبية إذا حال دون الاستيعاب. السؤال بالنسبة للمدرس هو جهاز قياس يكشف موضع الخلل. وربما كان ذلك أحد العوامل التي صاحبت ارتفاع الرسوب في بعض الدورات التي قدمتها هناك؛ طبعا ليس من الحكمة أن أجعل تجربتي المحدودة هناك حكمًا على نظام تعليمي أو شعب بأكمله.
وفي مصر كان المشهد مختلفًا. أسئلة كثيرة، ورغبة واضحة في النجاح، وتفاعل مستمر، مع ملاحظتي لضعف بعض الطلاب في الرياضيات. ظهر في الجزائر عامل آخر لم يكن علميًا بقدر ما كان لغويًا؛ حيث ان الفرنسية حاضرة بقوة، ولكن بفارق بين الأجيال. فالشباب كانوا أقدر على التعامل مع الإنجليزية، بينما عانى بعض الأكبر سنًا منها، فكنت أجد نفسي أحيانًا أقفز من الإنجليزية إلى العربية الفصحى لكي أوصل الفكرة. والمفارقة أنني في الوقت الذي أخفف العبء على الطالب، كان الانتقال المستمر بين لغتين أثناء شرح موضوع هندسي دقيق يحتاج إلى إعادة بناء المصطلحات والجمل والأفكار في اللحظة نفسها, مرهقا بالنسبة لي.
وجدت الايطاليين والاوربيين بشكل عام أكثر اهتمامًا بالوقت وبالعملي وبالنجاح، لكن تذكر إيطاليا يعيد إليّ مشهدًا شخصيًا لا علاقة له مباشرة باختلاف الثقافات. فقد كان الوقت قبل بداية الكورس ضيقًا جدًا لترتيب أجهزة التدريب العملي، وكانت زوجتي معي في تلك الرحلة. لذا في اليوم السابق للدورة وجدنا أنفسنا معًا في القاعة؛ نرتب الأجهزة، ونعمل التوصيلات، ونعيد ضبطها، ونتأكد أن كل شيء سيعمل في اليوم التالي كما ينبغي. قد يرى الطالب في الصباح التالي أجهزة جاهزة ومدرسًا يبدأ التدريب في موعده، لكنه لا يدرك ما حدث في الليلة السابقة. وربما كان ذلك من الأشياء التي علمتني إياها سنوات التدريب: أن جزءًا كبيرًا من نجاح الدرس يعتمد على المجهود الذي سبق دخول الطالب للقاعة.
نحط الرحال بأمريكا، من هيوستن الحارة إلى مناطق تقترب من كندا الباردة، تجارب متعددة بقي منها في ذهني تناقض لطيف. الطلاب شديدو الانتباه طوال الشرح، لكن الأسئلة أقل مما توقعت. كان انطباعي أحيانًا أن بعضهم يتردد قبل السؤال خشية أن يبدو ساذجًا أمام الآخرين. وقد يكون السؤال أطول من الجواب نفسه, وهناك مقدمة للطرح! ولا أدري إن كان هذا تفسيرًا كاملًا لما رأيت، لكنه ذكرني بحقيقة مهمة. الصمت في القاعة لا يعني دائمًا الاستيعاب، كما أن كثرة الأسئلة لا تعني عدم الفهم. وفي المقابل بقيت لي ملاحظة يومية بسيطة عن الدورات هناك. كانوا يأكلون كثيرًا! وهي من تلك التفاصيل الصغيرة التي لا تدخل في تقارير التدريب، لكنها تبقى في ذاكرة المدرس لسنوات طويلة.
ختاما لتعدد الثقافات واختلاف المشارب, لم أعد أرى كثرة الأسئلة أو قلتها وحده مقياسًا دقيقا لجودة الطالب، ولا الطلاقة في الإنجليزية مقياسًا للذكاء، ولا النجاح في الامتحان يعكس الصورة المتكاملة للاستيعاب. لقد اعتقدت ان اللغة قد تعيق طالبًا مجتهدًا، والحياء يمنع طالبًا من السؤال، والاستعلام الكثير يقودنا إلى خارج المنهج، والإصرار على المعلومة ميزة. الان وبعد هذه الجولة السريعة بين قاعات متعددة، وبلدان متباعدة، بلهجات ولغات ووجوه متباينة، ترسخت لدي قناعة لم تكن موجودة في جعبتي, كنت أذهب إليهم لأدرّسهم الهندسة، ثم ما اليث ان أعود وقد تعلمت شيئًا عن الشعوب والثقافات والتعددية الانسانية.



