29 , أغسطس 2026

القطيف اليوم

حين حضرت الجنازة… وغابت الموعظة

مسكينٌ هذا الإنسان…
تمرّ أمام عينيه المواعظ، وتطرق أبواب قلبه مشاهدُ الرحيل، ومع ذلك قد يظلّ مصرًّا على غفلته، كأنّ الموت كُتب على الآخرين وحدهم!

حضر تشييع جنازة شابٍّ مؤمن، عُرف بين الناس بحسن خُلُقه وتقواه. كان في ربيع عمره، يحمل أمنياته ومشاريعه، لكن المرض لم يمهله طويلًا… فأغلق كتاب أيامه مبكرًا، وغادر الدنيا إلى دارٍ أخرى.

كان المشهد مؤلمًا.

وجوهٌ يكسوها الحزن، وعيونٌ تختزن الدموع، وصمتٌ ثقيل يذكّر الجميع بأن الحياة مهما امتدت، فإن نهايتها إلى الرحيل.

لكن «س» لم يتّعظ!

حضر جسده مع المشيّعين، أمّا قلبه فكان في مكانٍ آخر.

راح يتنقّل بين هذا وذاك، يتحدث في أمورٍ عابرة، ويخوض في أحاديث لا تتناسب مع جلال الموقف وهيبة الموت، وكأن النعش الذي يسير أمامه لا يحمل رسالة، وكأن القبر الذي ينتظر صاحبه لن يكون يومًا مصيره.

وصلوا إلى المقبرة…

وهناك، حيث تُطوى آخر صفحات الإنسان في الدنيا، وحيث لا يبقى من صخب الحياة شيء، لم يستيقظ قلبه بعد.

اقترب من أحد الحاضرين، وأراد أن يمزح معه، فنظر إليه الرجل بجدية وقال:

— يا أخي، كن حاضرَ القلب… ولو في هذا المكان، ولو في هذه اللحظة!

تجمّد «س» في مكانه.

كانت العبارة قصيرة، لكنها وقعت في نفسه على نحوٍ مختلف.

شعر بالخجل لأول مرة.

تنحّى جانبًا… وصمت.

راح ينظر إلى القبر، وإلى التراب الذي يُهال فوق جسد ذلك الشاب، وكأن المشهد بدأ يتكلم معه بلغة لم يسمعها من قبل.

لعلّه أدرك في تلك اللحظة أن الجنازة ليست مناسبةً للحزن على الراحل فحسب، بل رسالةٌ إلى الأحياء:

اليوم نمشي خلفه… وغدًا قد يمشي الآخرون خلفنا.

وما أبلغ وصية رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي ذر، إذ قال:

«يا أبا ذر، إذا تبعتَ جنازةً فليكن عقلك فيها مشغولًا بالتفكّر والخشوع، واعلم أنك لاحقٌ به». 1

إنّ بعض المواعظ لا تحتاج إلى خطيب، ولا إلى كلمات كثيرة؛
يكفي نعشٌ يمرّ أمامك، وقبرٌ يُفتح، وحفنةُ ترابٍ تسقط…
لتقول لك بهدوء:

انتبه… فهذه الطريق سيمرّ بها الجميع.

الهوامش 
1 . بحار الأنوار


error: المحتوي محمي