شباب الوطن… يكفينا أن ندور في دائرة الاستهلاك، ويكفينا أن تتشابه مشاريعنا حتى تضيق بها الأسواق. ديوانيات تتكرر، ومقاهٍ تتكاثر، وتطبيقات تتشابه، ورحلات تُنظَّم؛ وكلها أنشطة مشروعة ولها مكانها في الاقتصاد، لكن الوطن الكبير يحتاج إلى ما هو أكبر: يحتاج إلى شباب يصنعون، لا إلى شباب يستهلكون فقط؛ ويبتكرون، لا إلى شباب يكررون فقط.
فالاقتصادات القوية لا تُبنى بكثرة المتاجر وحدها، وإنما بقوة المصانع خلفها، ولا تقاس بما نستورده ونبيعه، بل بما نصنعه ونصدره. الصناعة هي التي تحول المادة إلى قيمة، والفكرة إلى منتج، والمهارة إلى وظيفة، والمال إلى دورة اقتصادية تبقى داخل الوطن بدل أن تغادره.
واليوم، في ظل رؤية السعودية 2030 وما صاحبها من توسع في تمكين الاستثمار، ودعم الصناعة، وتطوير المدن الصناعية، وبرامج التمويل والحوافز والتسهيلات؛ أصبحت الفرصة أمام الشباب أكبر من أي وقت مضى. والكرة اليوم في ملعب أصحاب الأفكار: من يستطيع أن يدرس حاجة السوق، ويكتشف فجوة الاستيراد، ويصنع البديل المحلي، ويرفع الجودة، ويخفض التكلفة، فهو لا يؤسس مشروعًا فحسب، بل يضع لبنة في اقتصاد الوطن.
نحتاج إلى مصانع للمنتجات الطبية، وقطع الغيار، والصناعات الغذائية، وتقنيات المياه والطاقة، ومواد البناء، والتعبئة والتغليف، والمنتجات الزراعية، والأجهزة والحلول التقنية، ومئات الصناعات التي نستوردها يوميًا ويمكن أن يكون جزء كبير منها صناعة سعودية بأيدٍ سعودية وعقول سعودية.
وليس المطلوب أن يبدأ الشاب بمصنع ضخم ورأس مال بالملايين؛ فالصناعة تبدأ أحيانًا بورشة متخصصة، أو خط إنتاج صغير، أو منتج واحد متقن، ثم يكبر المشروع مع السوق. المهم أن يكون وراء المشروع حاجة حقيقية، ودراسة دقيقة، وقيمة مضافة واضحة.
فالمشروع الناجح وطنيًا ليس الذي يحقق الربح لصاحبه فقط، بل الذي يخلق وظيفة، ويصنع منتجًا، وينقل معرفة، ويقلل استيرادًا، أو يفتح باب تصدير. أما المشروع الذي يدخل السوق ثم يخرج منه دون أن يشعر به المستهلك، أو تتأثر به سلسلة الإمداد، أو يضيف شيئًا للاقتصاد؛ فقد يكون تجربة تجارية، لكنه لم يتحول بعد إلى قيمة وطنية.
يا شبابنا… لا تبحثوا فقط عن مشروع يدر دخلًا، ابحثوا عن مشروع يصنع أثرًا. لا تسألوا: ماذا نبيع للناس؟ بل اسألوا أيضًا: ماذا يحتاج الناس أن نصنع لهم؟
فالوطن الذي يستهلك ما يصنعه الآخرون يظل محتاجًا إليهم، أما الوطن الذي يصنع حاجاته بيد أبنائه، فإنه يبني قوته بماله، ويصنع مستقبله بعقله، ويكتب استقلال اقتصاده بعمله.
رؤية الوطن فتحت الطريق، والدعم موجود، والسوق واسع؛ وبقي أن يتحول طموح الشباب من فكرةٍ على الطاولة… إلى مصنعٍ على الأرض.



