ما يُروى ويُسمع أبًا عن جد، أو يُقرأ ويُطّلع عليه في أمهات الكتب، وما يُشاع بين العامة ويتداولونه، هو أمانة في عنق ناقله، وحين يُنقل يجب أن يصاحبه الصدق والبيان عند الحاجة لما أُبهم منه، أينما وُجِّه؛ فتلك هي القاعدة التي تحفظ للدين روايته، وللتاريخ حقيقته، وللمجتمع مصداقيته وثقة الأخذ به.
وحتى يكون الناقل نزيهًا، فعليه أن ينقل الموثق دون زيادة أو بتر، مع تحري دقة المصدر وصحته، وعدم تقديم التصورات أو الاستنتاجات الشخصية على أنها حقائق ثابتة. فالبحث والتوثيق يقومان على الأمانة في النقل، والقدرة على التمييز بين المعلومة الموثقة والاجتهاد الشخصي.
وقد يؤدي الخلط بينهما إلى إشغال الوسط الاجتماعي بخلافات ومهاترات لا فائدة منها، وربما تتسع دائرتها لتخلق حساسيات وعداوات كان بالإمكان تجنبها لو بقي النقاش في حدود المعلومة ودليلها.
كن واعيًا؛ ففي زماننا هذا لم تعد المشكلة في ندرة المعلومة، بل في كثرتها وسهولة تداولها، وفي دخول غير الموثق بينها حتى يصعب أحيانًا التفريق بين الحقيقة والرواية الشائعة. وهذا ما يدعونا إلى مزيد من التثبت، خصوصًا في المرويات التي قد يؤدي الخطأ فيها إلى اختلاف الناس أو تشكيك بعضهم في بعض.
أولًا: الشاهد الصادق لما رأى
إن كنت شاهدًا على حق أو خصومة أو حدث واجهته أو سمعته، فكن دقيقًا عند الأداء، صادقًا دون تغيير، وميّز بين ما شاهدته يقينًا وما ترجحه أو تظنه. فقول «أغلب الظن» أو «أعتقد» أو «ربما» لا يأخذ حكم الحقيقة الثابتة، ولا ينبغي تقديمه على أنه إثبات تاريخي أو مجتمعي.
والأصل أن يبقى الرأي رأيًا، والحقيقة حقيقة، وأن يُبيَّن للقارئ الفرق بينهما؛ فالقاضي مثلًا لا يحكم بالاعتقاد أو الظن، وإنما يستند إلى البينات والإقرارات والقرائن المنطبقة على الحالة، وكذلك الباحث والناقل ينبغي أن يوضح الأساس الذي بنى عليه ما يقول.
ثانيًا: الناقل الأمين للتاريخ
الناقل الأمين هو من يذكر المعلومة كما هي، ويسندها إلى مصدرها، تاركًا للقارئ أو المستمع مساحة قبولها أو مناقشتها والبحث عن دليلها.
ولا يكفي في القضايا التاريخية والاجتماعية قول: «كما وصلني» إذا كانت المعلومة محل خلاف أو يترتب عليها تصحيح لرواية مستقرة؛ بل ينبغي بيان مصدرها متى أمكن، والتمييز بين ما ورد في المصادر وما استنتجه الناقل بنفسه.
فكلما كانت المعلومة جديدة أو مخالفة لما هو متداول، ازدادت الحاجة إلى توثيقها؛ لأن قوة القول لا تأتي من طريقة عرضه، وإنما من قوة دليله.
ثالثًا: حين يتحول النقل إلى استنتاج غير موثق
ينبغي لمن يتصدى لنقل التاريخ أو مناقشة المرويات أن يتحرى الدليل، وألا يطلب من الناس التسليم بمعلومة دون بيان مستندها، خصوصًا إذا كانت تخالف ما هو موثق في المصادر المتاحة.
فالأنبياء عليهم السلام، وهم أهل الصدق، جاءوا بالحجة والبيان، وفي ذلك درس بأن الحقيقة لا يضرها السؤال عنها، ولا يضعفها طلب الدليل.
وللناس عقول وألسن، وبينهم من يملك علمًا واطلاعًا وخبرة، ولذلك ينبغي أن يظل باب السؤال والمناقشة مفتوحًا، وألا يُنظر إلى طلب المصدر باعتباره خصومة أو تشكيكًا في الأشخاص.
ولا يصح أن تُخلط الوقائع بعضها ببعض، أو تُنسب أحداث إلى غير أصحابها أو أزمنتها، ثم تُقدَّم بوصفها حقيقة. فلو قيل مثلًا إن عادًا هم من عقر الناقة، أو إن فرعون قائد أصحاب الفيل، أو إن نمرود من كفار قريش، لكان الخلل ظاهرًا؛ لأن النقل هنا لم يعد موافقًا لما هو ثابت في الروايات والمصادر.
وهكذا في بقية القضايا؛ متى غاب الدليل، وجب التوقف عن الجزم، ومتى ظهر الدليل، وجب عرضه بوضوح. وإذا كان الناقل يشغل موقعًا إعلاميًا أو ثقافيًا أو اجتماعيًا، ازدادت مسؤوليته في تحري ما يصدر عنه؛ لأن ما يقوله قد يُفهم على أنه توجيه أو توثيق، وقد يمتد أثره إلى الآخرين.
الخلاصة:
كن شاهدًا صادقًا، وناقلًا أمينًا، ومبينًا لما تنقل، ولا تجعل الاستنتاج الشخصي حقيقة تاريخية، ولا الرواية غير الموثقة أمرًا مسلّمًا به.
فالأيام تحفظ القول الموثق، وتكشف ما لا يستند إلى دليل، والتاريخ في النهاية لا ينصف إلا من احترم الحقيقة، وصان أمانة النقل، وترك للقارئ حق السؤال والمناقشة.



