لا يمر أسبوع إلا واتصال أو زيارة أو طلب صغير يجر وراءه طلبًا أكبر. ولم أكن أرى في ذلك ثقلًا ولا تذمّرا فالأيام دول والناس لبعضها وقضاء الحاجة ثوابها عظيم.
ثم استدارت الأيام…
وصرت أنا صاحب الحاجة.
طرقت بابه.
فتح الباب - وهو العالم بالحال -
نظر إليَّ لحظة ثم قال ببرود..
“هاه… وشتبي؟”
ضحكت.
لا منه…
لأن الكلمة أعادت إلى ذهني عبدالحسين عبدالرضا رحمه الله..
كان يقولها على الشاشة فنضحك.
أما حين سمعتها خارج الشاشة اكتشفت أنها ليست جملة كوميدية أبدًا..
فهي من أقسى الجمل التي يمكن أن تُقال لمن كان يعرف الطريق إلى بابك أكثر مما يعرف طريق بيته.
بعض الناس إذا احتاج إليك أطال الحديث وأكثر الود ونطقت الأخلاق وأشعرك أنك أقرب الناس إليه ورفعك لمنزلة مَلك وكأنه يقول لك مشيرًا إليك رافعًا.. “يا أرض انهدّي ما عليك قدّي”..
فإذا انتهت حاجته…
اختصر كل تلك السنين والتملق والتمسكن في..
“هاه… وشتبي؟”
والغريب أن المعروف عند بعض النفوس سريع النسيان - سرعة ذوبان حليب النيدو -
أما الغلطة… فلا يرضى أن تنتهي صلاحيتها.
الجميل عنده يذوب… والغلطة يحفظها في الفريزر وكلما رآك أخرجها.
ولذلك لا يؤلمك أن يخذلك غريب..
الوجع الحقيقي…
أن تسمع “هاه… وشتبي؟” ممن كنت يومًا تسمع منه..
“إذا احتجتني لا تتردد.”



