مسكينٌ أنت أيها التواضع
ألبسوك النفاق ،
وجردوك من عصمة الأخلاق ،
وأصبحت متهماً بالشقاق ،
ومرتهناً للزيف والاختلاق .
كنت لباساً وصرت متلبساً .
كنت خُلُقاً وأمسيت مختلقاً
كنت مطمعاً ، وحولوك طُعماً ..
يا حسرة عليك ، أصبحت قاتم اللون بعد أن كنت ناصعا ، ومتسلقاً بعد أن كنت متألقا ، وانتهازياً ، وقد كنت الإيثار ذات اليمين وذات اليسار .
مسكين أنت، فقد غيبوك حياً ، وصادروك غيّاً وبغياً ..
مسكين أنت، وأنت البسمة العذوب ، والروح الطروب وبساطة القلوب ، فإذا أنت نفاق ، ومجامل أفاق ، تلين وتستكين ، وتطعن بالخنجر والسكين وتعامل باللين ثم تمسك بالوتين .
هكذا وسموك ، وهكذا اتهموك ، وهكذا أحرقوك ، وفي الهواء ذروك، فأصبحت أثراً بعد عينٍ.
لكن مهلا
مهلاً مهلا ..
أنت لستَ أثراً بعد عين،
وأنت لم تمتْ ولن تموت.
ومن قال ذلك ؟ والرياح ما استطاعت أن تقتلعك، فكلما اشتدت عليك الزوابع ، ازددت ثباتاً وتجذُّرا .
أنت لم تمت ..
فمازلت قائماً في قلب كل من عرف أنك لست انكساراً ، ولا ذلاً ولا باباً يُفتح لكل عابر .
أنت لم تمت ..
فما زلت خُلُقاً ، إذا ارتداه الكريم زاده كرامة ،وإذا تحلَّى به العزيز زاده عزة ،وإذا سكن قلباً أثمر فيه رحمةً وصفاء.
سنصونك ، لا بالانزواء ولا بالتنازل عن الكرامة ،بل بمعرفة القدر من غير كِبر ، ومعرفة الحق من غير استعلاء .
وسنحصِّنك من أن تكون قناعاً للنفاق ، أو مطيّةً للانتهازية ، أو باباً يدخل منه الطامعون ..
سنرتديك كما أنت ، لباساً من الخُلُق لا ثوباً من التصنّع ، فأنت لست ضعيفاً ولا هزيلاً مرتهنا .. ولا عاجزاً عن الثبات.
أنت تعرف قدرك ؟
ولا ترى أنك فوق أحد ،
و تستطيع أن تؤثر ، وتملك ثم تعطي ، بعيداً عن نوازع الشياطين .
تَرفَعُ من دون أن تترفع على أحد ، ولذلك لا تخف، لا تخف أيها التواضع ، فالزوابع مهما اشتدت لا تقتلع أصلاً ضارباً في القلوب ،ومهما الضجيج علا ، فإنه لا يطمس خُلُقاً عرفه النبلاء.
ستبقى قائماً ودائماً ومثْمراً وأصلاً وأصيلا ، وسنظل نرتديك لا خوفاً من الناس ،ولا طلباً لرضاهم، بل لأنك خُلُقنا الأصيل.
لقد حاولوا أن يغيبوك، فأحيَوك فينا ، وحاولوا أن يصادروك ،فصارت لك القلوب أوطانا ،وحاولوا أن يجعلوك قناعاً فبقيت وجهاً للحقيقة ناصعا..
يا أيها التواضع ..
إطمئن
أنت ما زلت هنا .. وبنا



