الصلاة جوهر إيماني يتحرك مع الإنسان في مختلف مفاصل ومنعطفات حياته وعلاقاته ومواقفه التي تصطبغ بنورانيتها ومكتسباتها، إذ هي مشروع لصناعة الإنسان من داخله، في طريقة تفكيره واتصافه بالوعي والنضج، واتجاه سلوكياته نحو قبسات الصلاة الأخلاقية ويقظة الضمير وحذره تجاه المغريات للنفس الأمارة بالسوء، فالغاية من الصلاة ليس مجرد الأداء التنفيذي وإيجاد الهيئة المكونة من مجموعة أفعال وأقوال؛ لتبقى جدارية صامتة وغير مؤثرة في مسار حياته، واقفًا عند حدود الأداء، ومن الشواهد الدالة على المكانة والقيمة العالية للصلاة ومحوريتها في حياة الإنسان، قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
فالصلاة الخاشعة التي يحضر فيها قلب المصلي ويتفاعل مع نورانية الصلاة في الأذكار والأفعال، فإنها تترك أثرًا أخلاقيًا يتجسد على أرض الواقع في جميع علاقاته بالله تعالى وبالآخرين ومنهجيته في الحياة، فمقبولية الصلاة وصدقها يقاس بقدرتها وتأثيرها على تهذيب النفس وتطهيرها من الرذائل الأخلاقية والنقائص، فتلك الصلاة تظهر كقبس نوراني ينزه الإنسان من التبعية للأهواء والشهوات المتفلتة، ويقيد حركته وفق محورية الضمير اليقظ والعقل الواعي، وهذا ما يتجلى في علاقاته بالآخرين وتجنبه للمواقف الانفعالية والمتهورة، ولذا فإن الصلاة تمثل جدارية تكتب عليها سلوكيات صاحبها، ويظهر مدى تأثيرها على سلوكياته وتصرفاته بأي نحو كان، فالذي يقف في محراب العبادة بين يدي الله تعالى يتجلى من لسانه الصدق، ومن فعله الأمانة والتواضع والخلق الحسن، وأما إذا كانت صلاته مجرد أفعال لا تأثير لها، فإنها لا تقيد لسانه عن قول السوء والغيبة وجرح مشاعر الآخرين بالكلمة القاسية، كما أنه يفتقد الخشية من الله تعالى في علاقاته بالآخرين، فيظلم ويعتدي على حقوق الغير، ولذا فإن مثل هذه الصلاة التي لا تنهاه صاحبها عن فعل المنكر والسوء تحتاج منه إلى مراجعة ذاتية ومحاسبة دقيقة؛ ليكتشف بعدها موضع الخلل المعنوي الذي أفقده نورانية الصلاة ومنعه من اكتساب مضامينها الأخلاقية العالية، فالعبادة الصادقة تمتلك قابلية إصلاحية ينبغي أن تظهر تدريجيًا في السلوك وتتبلور على أرض الواقع، فكلما ازداد حضور العبد بين يدي ربه ازداد شعوره بمسؤوليته عن كلمته وفعله وتصرفه وموقفه وكل ما يصدر عنه.
وبالتأكيد أن العامل القوي والمؤثر في إيجاد وبلورة الآثار الأخلاقية للصلاة هو حضور القلب، والذي هو تدريب عميق على التمعن في كلمات الأذكار ومعاني الأفعال كالركوع والسجود؛ ليستعيد المصلي محورية ومركزية الرقابة الإلهية في كل أحواله، فإذا ما استطاع أن يستجمع قواه الذهنية بعيدًا عن التشتت والانشغال بملذات الدنيا، استطاع في حركة تقويم مستمر من أداء الصلاة أن يتعلم ضبط رغباته وانفعالاته؛ لتتحول الصلاة إلى مدرسة يومية في التركيز الذهني والانضباط والسيطرة على غرائز النفس.



