22 , أغسطس 2026

القطيف اليوم

حين يصبح الاسم ذاكرة لا تهمة

قرأت باهتمام مقال الكاتب الجميل سلمان العنكي: «أثر الاسم في صناعة هويّة الإنسان والبلدان – القديح نموذجاً»، المنشور في «القطيف اليوم»، وهو مقال يستحق الإشادة؛ لأنه نقل النقاش من دائرة الحساسية تجاه الأسماء إلى مساحة أوسع تتصل بالهوية والذاكرة والانتماء.

وقد أحسن الكاتب حين استند إلى بحث الأخ محمد أحمد علي الجارودي القديحي، الذي تناول أثر الاسم في صناعة هوية الإنسان والمكان، وبيّن أن اسم البلدة ليس مجرد حروف تُكتب على الخرائط، وإنما ذاكرة تختزن التاريخ، وتؤثر في نظرة الإنسان إلى موطنه وإلى نفسه.

وهذه الفكرة تحديداً هي التي ينبغي أن ننطلق منها في قضية «بَقْرَة».

فإذا كان الاسم جزءاً من هوية المكان، فإن التعامل معه يحتاج إلى علم في التوثيق، وحكمة في الطرح، وعدالة في القراءة.

ومن هنا لا أرى أن «بَقْرَة» ينبغي أن تتحول إلى اسم مستهجن أو مادة للهمز واللمز، قبل أن نعرف أصلها وسياقها ودلالتها.

بل إن اللافت أن لفظ «بَقْرَة» له حضور في المدونة التراثية الإسلامية؛ فقد ورد في سياق منسوب إلى ياقوت الحموي في معجم البلدان عند حديثه عن القديح، وهي إشارة تستحق التحقيق في نصها وسياقها ومقارنتها بالمصادر الجغرافية والتاريخية الأخرى.

وهنا يجب أن نكون منصفين:

ورود الاسم في مصدر تراثي لا يعني أن كل ما قيل عنه أصبح حقيقة نهائية، لكنه يعني في الوقت نفسه أن الاسم ليس اختراعاً معاصراً ولا لفظاً طارئاً يمكن التعامل معه بالسخرية أو التحقير.

إنه اسم يحتاج إلى الباحث الذي يحقق، ويقارن، ويفسر، ثم يقول لنا ماذا كان يعني في سياقه التاريخي.

ولعل من أجمل ما يمكن أن نقرأه في هذا الاسم، قبل أن نقرأه بعين الخصومة، أن «بَقْرَة» قد تكون في دلالتها القديمة مرتبطة بالماء والمورد والسقيا؛ وهي دلالة، إن أثبتتها المصادر والشواهد، لا تحمل انتقاصاً من المكان، بل تحمل معنى الحياة والعطاء.

فالماء في ثقافة الجزيرة العربية لم يكن أمراً عابراً.

كان كرامة وشرفاً وخدمة للناس.

ولنا في تاريخ العرب والإسلام صورة عظيمة لذلك، حين ارتبط شرف بني هاشم بسقاية الحجيج، فكانت السقاية خدمة وشرفاً ومكانة، لا مجرد توفير للماء.

ومن هذه الزاوية يمكن أن ننظر إلى «بَقْرَة» بوصفها اسماً يحتاج إلى استنطاق تاريخي: هل كان اسم مورد؟ هل ارتبط بعين أو بئر؟ هل كانت له صلة بالسقيا؟ أم أن له تفسيراً آخر؟

هذه أسئلة الباحث، لا أسئلة الخصومة.

وإذا انتهى التحقيق إلى معنى مختلف، فنحن أمام حقيقة تاريخية ينبغي احترامها.

وإذا أثبتت الشواهد ارتباط الاسم بالماء والسقيا، فربما نكون أمام دلالة جميلة تجعل من الاسم عنواناً للعطاء، لا مادة للانتقاص.

ومن هنا تأتي المفارقة التي تستحق التأمل.

حين أثار الباحث الراحل الجنبي، رحمه الله، مسألة نسبة عين الزارة إلى جبل الحريف، لم تتحول المسألة إلى مواجهة بين أهالي العوامية والآخرين، بل تعاملت معها نخب من أبناء العوامية باعتبارها اجتهاداً في البحث التاريخي يحتاج إلى ما يسنده من دليل وشاهد ومصدر.

وهذا هو النموذج الذي نحتاجه اليوم.

فالباحث من حقه أن يجتهد، ومن حق غيره أن يناقشه، ومن حق الجميع أن يطالبوا بالدليل.

لكن ليس من حق أحد أن ينقل الخلاف من صفحات التاريخ إلى صدور الناس.

ومن هنا أيضاً يأتي السؤال الذي طرحناه سابقاً:

إذا كان الخلاف حول رواية الملا عبدالجليل الزاهر، فلماذا تحولت «بَقْرَة» إلى «بقرة الحيوان»؟

من الذي نقل اللفظ من اسم يحتاج إلى تحقيق إلى وصف يحمل دلالة السخرية؟

فالتصدي للرواية شيء، وتحويل الاسم إلى مادة للهمز واللمز شيء آخر.

قد يكون الاستفزاز الفكري وسيلة لإخراج وثيقة، أو كشف رواية، أو دفع الباحث إلى مزيد من البحث، وهذا مفهوم في ساحة التاريخ.

لكن استفزاز المجتمع خط أحمر؛ لأنه لا يستخرج وثيقة، وإنما قد يستخرج جراحاً قديمة.

وهنا تقع مسؤولية المثقف والكاتب والباحث.

فالمثقف لا ينبغي أن يكون وقوداً للخلاف، بل ينبغي أن يكون قادراً على تحويل الخلاف إلى معرفة، والاختلاف إلى حوار، والتباين إلى فرصة لفهم أعمق للتاريخ.

لقد عاشت العوامية والقديح، وسائر بلدات القطيف، جواراً طويلاً تشابكت فيه المياه والنخيل والأسواق والمصاهرات والزيارات والمصالح والذكريات.

وما يجمع هذه المجتمعات أكبر بكثير من اسم مختلف عليه.

لذلك لا ينبغي أن يصبح «بَقْرَة» سبباً لإعادة فتح ملفات الماضي، أو تحويل الذاكرة إلى محكمة، أو جعل أبناء اليوم يدفعون ثمن اختلافات في روايات الأمس.

نحن لا نحتاج إلى أن تنتصر العوامية على القديح، ولا أن تنتصر القديح على العوامية.

نحتاج فقط إلى أن تنتصر الحقيقة على التأويل، والدليل على الانطباع، والمحبة على الخصومة.

وإذا كان اسم «بَقْرَة» يحتاج إلى تحقيق، فليكن ذلك مشروعاً بحثياً جميلاً: نبحث عن النصوص، ونقارن الخرائط، ونستقرئ المواضع، ونتتبع موارد الماء، ونراجع الروايات، ثم نخرج بنتيجة يطمئن إليها الباحثون.

أما أن يتحول الاسم إلى مادة للسخرية، فهذا لا يخدم التاريخ ولا أهالي القديح ولا أهالي العوامية.

بل ربما يكون الأجمل أن نكتشف أن بعض الأسماء التي نخشى منها اليوم كانت تحمل في زمنها معاني العطاء والحياة والخدمة.

فالماء لا يعيب من سُمّي به، والسقيا ليست منقصة، بل كانت عند العرب شرفاً، وعند المسلمين باباً من أبواب خدمة الناس.

ولذلك أقول:

دعوا «بَقْرَة» للتاريخ حتى يقول التاريخ كلمته.

فإن كانت مورداً، فللمورد قصته.

وإن كانت عيناً، فللعين حكايتها.

وإن كانت اسماً لموضع، فللموضع ذاكرته.

وإن كان لها معنى آخر، فليأتِ الدليل به.

أما تحويلها إلى «بقرة الحيوان» ثم بناء خطاب اجتماعي على هذا التأويل، فذلك أمر لا يخدم الحقيقة، ولا يحفظ الذاكرة، ولا يليق بالمثقفين الذين نعوّل عليهم في تهدئة الاختلاف.

الاسم أمانة، والتاريخ أمانة، والذاكرة أمانة.

والأمانة لا تُؤدى بالصوت الأعلى، وإنما بالبحث الهادئ، والكلمة المسؤولة، واحترام الإنسان قبل المكان.

وربما كان أجمل ما يمكن أن نخرج به من هذه القضية أن نعيد قراءة الأسماء لا بعين السخرية، بل بعين الباحث الذي يسأل:

ماذا كان الاسم يعني لأهل المكان يوم كان الماء حياة، وكانت السقيا شرفاً، وكان المورد عنواناً للكرم؟

هناك فقط يمكن أن تتحول «بَقْرَة» من كلمة تُثير الخصومة إلى باب يفتح لنا صفحة جديدة من تاريخ المكان.


error: المحتوي محمي