كلّنا على مسرح الحياة صاحبُ دور، ولكلّ دورٍ قدر، ولكلّ إنسانٍ أثر؛ فلا تحتقر مَن اختلفت مهمته عن مهمتك، ولا تستصغر مَن خفيت منزلته عن منزلتك، فليس اختلاف الأدوار اختلافًا في الكرامة، وإنما هو تنوّعٌ في الخدمة، وتكاملٌ في المهمة، وتعاونٌ في عمارة الحياة والأمة.
انظر إلى غرفة العمليات؛ الجرّاح يمسك المشرط، وطبيب التخدير يحفظ الوعي والجسد، والممرّض يراقب ويجهّز ويسند، وعامل النظافة يهيّئ مكانًا قد تكون نظافته بين الحياة والموت حدًّا وفصلًا. فمن منهم زائد؟ ومن منهم غائب؟ كلّهم ضرورة، وإن اختلفت الصورة.
ومدير الشركة ليس أرفع قدرًا من معلّم المدرسة، والوزير في مكتبه لا يستغني عن المزارع في حقله، وصاحب المصانع لا يعيش دون عاملٍ يصنع، والأم التي تبني في بيتها إنسانًا قد يكون أثرها أعظم من مؤسسة تبني عمرانًا. والزوجة التي تدير منزلها ليست أقل شأنًا ممن تدير مكتبًا؛ فهذه تصنع قرارًا، وتلك تصنع جيلًا، وكلاهما إن أتقن دوره صنع أثرًا جميلًا.
فلا تجعل منصبك مقياسًا للناس، ولا مالك ميزانًا للأقدار؛ فقد تحتاج غدًا إلى من لم تلتفت إليه اليوم، وقد تتوقف راحتك على يد إنسان كنت تظن أن دوره لا يستحق التقدير.
والأجمل أنك أنت نفسك لست صاحب دورٍ واحد؛ فأنت ابنٌ بين والديك، وأخٌ بين إخوتك، وزوجٌ مع شريكة حياتك، وأبٌ مع أبنائك، وجدٌّ مع أحفادك، وموظفٌ مع رئيسك، ورئيسٌ مع مرؤوسيك. ولكل مقامٍ مقال، ولكل علاقةٍ خلقٌ وحال.
فلا تدخل بيتك بعقلية المدير، ولا تعامل أبناءك بلغة الأوامر، ولا تحمل سلطة الوظيفة إلى مائدة الأسرة؛ فمن خلط الأدوار أفسد العلاقات، ومن فهمها أحسن الحياة.
وقد قال النبي ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
فاحترم الأدوار، وأحسن الحوار، واعلم أن الحياة لا تبنى بمن يقف في القمة وحده، بل بمن يحملها من كل الجهات؛ فكلٌّ له مكان، وكلٌّ له شأن، وباجتماع الأدوار يكتمل الإنسان ويستقيم البنيان.



