في مجتمعنا كثيرًا ما نسمع عن شخص يقال عنه من الوجهاء فقط لأنه غني أو يملك تجارة ناجحة أو ثروة كبيرة، وكأن المال وحده كفيل بأن يجعل الإنسان وجيهًا، وهذه مسألة تحتاج إلى شيء من التأمل والتفكير.
أنا لا أرى أن الغنى والوجاهة شيء واحد، فالغني يملك المال، وهذا حقه، وماله له ولأسرته، ولا أحد يستطيع أن يلومه على ذلك، أما الوجيه فله معنى آخر تمامًا.
الوجيه في نظري هو الشخص الذي له مكانة بين الناس بسبب مواقفه وأعماله وحضوره في خدمة المجتمع، وليس بسبب ما يملك في حسابه أو عدد العقارات التي يمتلكها.
والوجاهة الحقيقية ليست صفة ينبغي أن تكون عند عدد كبير من الناس حتى يصبح المجتمع كله من الوجهاء، وإلا فقدت الكلمة معناها وقيمتها، فالوجيه بالمعنى الذي نتحدث عنه هو صاحب مكانة اكتسبها من مواقفه وأعماله وما تركه من أثر بين الناس.
وقد نجد في مجتمعاتنا من يطلق لقب الوجيه على كل شخص غني أو صاحب تجارة أو صاحب نفوذ، وهذا في رأيي توسع في استخدام الكلمة، حتى أصبحت الوجاهة مرتبطة بالقدرة المالية أكثر من ارتباطها بالقيمة الاجتماعية.
وقد يكون من الممكن أن يتصدى الرجل المتمكن لخدمة مجتمعه وتحمل مسؤوليات الوجاهة إذا وجد في نفسه القدرة والاستعداد لذلك، فالوجاهة في جوهرها ليست لقبًا يسعى إليه الإنسان لمجرد أن يقال عنه وجيه، وإنما هي تكليف ومسؤولية قبل أن تكون تشريفًا ومكانة، ومن يتحمل هذه المسؤولية ويكون حاضرًا في قضايا مجتمعه ويسعى في قضاء حوائج الناس والإصلاح بينهم، فإنه مع الوقت يكتسب وجاهته من أفعاله ومواقفه.
فالذي يبني مسجدًا أو حسينية، والذي يدعم الجمعيات الخيرية، والذي يقف مع المحتاجين، والذي يسعى في قضاء حوائج الناس، والذي يتدخل لإصلاح ذات البين وحل الخلافات بينهم، كل هؤلاء يصنعون مكانتهم بأعمالهم ومواقفهم وما يقدمونه للناس.
وقد يكون هناك شخص غني جدًا، لكنه لا يقدم شيئًا لمجتمعه، وهذا أمر يعود إليه، فماله ملكه وهو حر فيه، لكن امتلاكه للمال لا يعني بالضرورة أنه أصبح وجيهًا.
وفي المقابل قد تجد شخصًا لا يملك ثروة كبيرة، لكنه معروف بين الناس بحسن الموقف ومساعدة الآخرين والسعي في حل مشاكلهم، وقد يكون أكثر وجاهة واحترامًا من شخص يملك الملايين.
المشكلة تظهر عندما نربط الوجاهة بالمال فقط، فنعطي صاحب المال مكانة اجتماعية لمجرد أنه غني، بينما نتجاهل أشخاصًا ربما قضوا سنوات طويلة من حياتهم في خدمة مجتمعهم، ولم يكن لديهم المال الذي يجعل أسماءهم لامعة.
وقد يجتمع الغنى والوجاهة في شخص واحد، وهذا أمر جميل عندما يستخدم الإنسان جزءًا من ماله ووقته لخدمة الناس، لكن يجب أن نفرق بين الأمرين، فالمال ملك صاحبه، أما الوجاهة فهي مكانة يكتسبها الإنسان بما يقدمه وما يتركه من أثر.
ولهذا أعتقد أن الوجيه الحقيقي ليس بالضرورة الأكثر مالًا، بل هو الشخص الذي إذا احتاجه الناس وجدوه، وإذا اختلف اثنان سعى في الإصلاح بينهما، وإذا احتاج المجتمع إلى موقف لم يتأخر.
فالوجاهة ليست كثرة أسماء ولا كثرة أموال، وإنما هي قيمة وموقف وأثر، وقد يعيش الإنسان ويموت دون أن يملك ثروة كبيرة، لكنه يترك وراءه من الذكر الطيب والمواقف الجميلة ما يجعله وجيهًا في عيون الناس.
باختصار، الغنى قد يصنع نفوذًا، لكنه لا يصنع وجاهة، والوجاهة الحقيقية يصنعها الإنسان بمواقفه وما يقدمه للناس وما يتركه خلفه من أثر طيب…



