حين يقول قائل: «بلا سعودة أفضل»، فهو لا ينتقص موظفًا، بل ينتقص وطنًا؛ ولا يطعن في فردٍ، بل يطعن في قدرة جيلٍ أثبت حضوره في الإدارة والاقتصاد، وفي الطب والتعليم، وفي الصناعة والتقنية، وفي كل ميدانٍ أُعطي فيه الثقة فأنجز، ومُنح فيه الفرصة فأبدع، ووُضع فيه على المحك فارتفع.
فأيُّ منطقٍ هذا الذي يشكك في السعودي، والسعودي يدير أرامكو السعودية، إحدى أكبر شركات الطاقة في العالم؟ وأيُّ إنصافٍ هذا الذي يتهمه بقلة العمل، وهو يقود البنوك، ويُدير الجامعات، ويُشغّل المصانع، ويعالج المرضى، ويُنشئ الشركات، ويُدير المشروعات، ويقود التحول الرقمي، ويصنع القرار الاقتصادي والإداري؟
ثم انظروا إلى موسم الحج؛ ملايين البشر، وألسنةٌ شتى، وثقافاتٌ شتى، وحشودٌ لو أُسيء تنظيمها ساعةً لاختلّ النظام، ومع ذلك تُدار هذه المنظومة بأيدٍ سعودية، في أمنٍ ونظام، ودقةٍ وانسجام، وخدمةٍ وإكرام. فمن يستطيع بعد ذلك أن يقول: «السعودي لا يعمل»؟
المشكلة ليست في جنسية العامل، وإنما في عقلية من يرفض المواطن قبل أن يختبره، ويحكم عليه قبل أن يدربه، ويقصيه قبل أن يمنحه حقه في المحاولة.
ونحن حين نرفض هذا القول لا ننتقص من الوافد المحترم؛ فالوافد الذي جاء بعلمه وخبرته، وعمل بإخلاص، واحترم وطنًا احتضنه، هو شريكٌ في التنمية، وله التقدير والوفاء. ولكننا نتحدث عن ذلك الصوت الذي يردد بازدراء: «السعودي لا يشتغل»؛ وكأن الملايين من أبناء الوطن عاجزون، وكأن كل هذه المؤسسات والإنجازات قد نزلت من السماء بلا سواعد ولا عقول!
ثم إن سعودة الوظائف ليست قضية عاطفة، بل قضية اقتصاد واستقرار ومجتمع.
فالمواطن إذا عمل ملك راتبًا، وإذا ملك راتبًا اشترى بيتًا وسيارةً وغذاءً ولباسًا وخدمة، وإذا اشترى تحرك السوق، وإذا تحرك السوق ربح التاجر، وإذا ربح التاجر توسعت التجارة، وازداد التوظيف، ودارت عجلة الاقتصاد.
أما إذا أُقصي المواطن من العمل، فمن أين يشتري بضاعتكم؟ وبأي مالٍ يسكن عقاراتكم؟ وكيف يتزوج ويكوّن أسرته؟ وكيف يصبح مستهلكًا ومنتجًا ودافعًا للنمو؟
إن من يظن أن إبعاد السعودي عن الوظيفة يوفر عليه بعض التكاليف، قد يربح في فاتورة اليوم ويخسر سوق الغد؛ لأن الاقتصاد لا يعيش بالبيع وحده، بل بمن يملك القدرة على الشراء، ولا تزدهر التجارة بوجود التاجر فقط، بل بوجود المواطن القادر على الإنفاق.
وهنا تظهر المفارقة: التاجر الذي لا يريد توظيف السعودي يحتاج إلى السعودي زبونًا، والمستثمر الذي يضيق بالمواطن موظفًا يحتاج إليه مستهلكًا، وصاحب العقار الذي لا يرى فيه كفاءة يحتاج إليه مستأجرًا ومشتريًا. فكيف نطلب منه أن يستهلك إذا حرمناه من مورد الاستهلاك؟ وكيف نطالبه بالزواج إذا أغلقنا أمامه باب الراتب؟ وكيف نلومه على تأخر الاستقرار ونحن لم نمنحه أول مفاتيحه؟
إن الثقة بأبناء الوطن ليست مجاملة، ولا السعودة صدقة، ولا الوظيفة هبة؛ بل هي استثمار في الإنسان، واستقرار في المجتمع، وأمن في الاقتصاد، وبناء للمستقبل.
ولا نقول: وظفوا السعودي ولو لم يكن كفؤًا؛ بل نقول: درّبوه حتى يكفؤ، علّموه حتى يتقن، جرّبوه قبل أن ترفضوه، واصبروا على بدايته حتى تروا نهايته. فكل خبيرٍ بدأ قليل الخبرة، وكل مديرٍ كان يومًا موظفًا جديدًا، وكل ناجحٍ احتاج في أول الطريق إلى يدٍ تقول له: تقدم، جرّب، تعلّم، ونحن نثق بك.
وهذا هو جوهر رؤية المملكة: أن يكون ابن الوطن في قلب التنمية لا على هامشها، صانعًا لا متفرجًا، شريكًا لا تابعًا، وقائدًا لا رقمًا في كشوف البطالة.
وقد قال سمو ولي العهد في وصف همة السعوديين ما ارتبط في الذاكرة بـ جبل طويق؛ وهذه الهمة لا تحتاج إلى من يشكك فيها، بل إلى من يفتح لها الطريق، ولا تحتاج إلى من يحاصرها بالأحكام المسبقة، بل إلى من يمنحها الميدان.
فلا تقولوا: بلا سعودة أفضل؛ بل قولوا: بسعودةٍ أكفأ، وتدريبٍ أقوى، وفرصةٍ أعدل.
فالوطن الذي لا يثق بأبنائه، بمن يثق؟
والاقتصاد الذي لا يُشغّل شبابه، لمن ينمو؟
والتاجر الذي لا يصنع للمواطن دخلًا، لمن سيبيع غدًا؟
ثقوا في أبناء الوطن؛ فمن زرع فيهم الثقة، حصد منهم الكفاءة، ومن منحهم الفرصة، رأى منهم العزيمة، ومن استثمر في السعودي، لم يستثمر في موظفٍ فقط… بل استثمر في وطن.



