06 , أغسطس 2026

القطيف اليوم

ثنائي اللون عصف ذهني للمخيلة وفضاء للتأويل (1-7)

الذخيرة البصرية لا تسلمنا طوعًا لأبعاد العمل الفني، بل تتقاطع معها ذائقتنا الفنية بالتجوال معًا في عوالمه، وبنظرات فاحصة وتأمل عميق. العيون تتنقل بين جزئيات العمل شكلًا ولونًا في حوار ممتد بين المبنى والمعنى، وتفكيك دلالات التكوين، لنخرج برؤية مضافة على رؤية الفنان الذي أنتج العمل الفني. هذا ما تؤكده الفنانة التشكيلية (سيلفيا كايند - دكتوراه في فلسفة الفن) حيث تقول:

(لا يقتصر صنع المعنى على الفنان وحده، بل يشمل المشاهد أيضًا، وعليه يعد الرسم جزءًا من عملية إبداعية، وليس مجرد رسم يمثل فكرة ثابتة أراد أن يوصلها الفنان وحسب، بل عمل تفاعلي وترابطي بين رؤية الفنان ورؤية المتلقي معًا).

رؤية ثنائية تطلق العنان ليس لتفسير الفنان وحده، بل يشترك معه المتلقي الذي يقرأ العمل بمنظاره الخاص، ويستنبط القيم البنائية المفتوحة على المخيلة باستكناه الرمز وما حوى، وتتبع مسارات خفايا التأويل وما وراء المضامين.

من هذا المنطلق سوف نتجول في عوالم معرض (الأبيض والأسود) الذي أقامته جماعة الفن التشكيلي بالقطيف مؤخرًا على صالة جمعية الثقافة والفنون بالدمام، وبالشراكة معها. معرض نوعي استمر عرضه أكثر من شهر، وهو المعرض الوحيد منذ تأسيس الجماعة قبل 30 عامًا يتم تمديد أيامه أكثر مما هو معلن، الأمر الذي أتاح الفرصة لرواد الجمعية من شعراء وكتاب وأدباء ومسرحيين وتشكيليين وضيوف من خارج المملكة، بالاطلاع على محتوياته بالتفاعل والإعجاب والتقدير والثناء.

معرض الأبيض والأسود في نسخته الخامسة لعام 2026م، احتوى على 33 عملًا فنيًا بواقع عمل واحد لكل مشارك ومشاركة، والهيمنة للأنامل الناعمة بحضورهن المميز، إذ بلغ عددهن 29 فنانة مقابل أربعة فنانين! لا غرابة، فهن الساعيات ليس لإضفاء الجمال، بل يعززن ذلك برؤية تعبيرية ثرية ومتنوعة، مشاعر وأحاسيس مبثوثة عبر الأبيض والأسود وتدرجاتهما، وفي ثنايا اندماجهما، إيقاعات لونية محايدة تسمع على سطوح اللوحات بسرد حكائي مكثف.

رؤية تحليلية تتقفى أثر المعنى ودلالات الرمز على مدى سبع حلقات، وفي كل حلقة طرح خمسة أعمال، باستثناء الأخيرة قراءة لثلاثة أعمال مع سطور الختام، جولة افتراضية سردية تأخذ القارئ الكريم وكأنه يتجول بين الأعمال حسب تسلسل ترتيبها التنظيمي على استاندات المعرض.

اللوحة 1: (ما بعد العتمة)

للفنانة عفيفة أحمد الراشد

لوحة سوداء يبرز من وسطها رأس أبيض مجسم بخامة الجبس والمعجون مثبت على لوح خشبي، تتحسسه الأصابع حتى لمن فقد بصره. وجه لا يصرخ، لكن صمته أحدث تصدعًا في قشرة الكرتون الأسود الذي خرج منه بعد عتمة مجهولة زمنها، معلوم فعلها المرئي عبر هدم جدار المعاناة.

نستشف من هذه الرمزية خروج الذات أو الحقيقة من “الظلام” أو “القيود” التي تكبل الإنسان نتيجة ظروف وعقبات، حيث يمثل تمزق الخلفية السوداء كسرًا للحواجز والظهور من الحجب القهرية، خروجًا للعلن، هي الذات الجسورة التي تتغلب على صنوف المحن والمخاوف المصطنعة.

إمالة الرأس أعطت للعمل قيمة بصرية ومعنوية أفضل بكثير من وضعه في استقامة مباشرة، وجه يبصرنا بلغة الصمت لنبصر ذواتنا التي تنتابها غشاوة وهمية وأخرى قسرية. يذكرنا هذا العمل الفني بعمل الفنانة الهولندية (أنس ماركوس)، لكن اشتغال عفيفة أكثر ديناميكية في تكوين الرأس، التي أعطته نسقًا متحركًا وليس جامدًا. تعبير راقٍ واشتغال متقن، وطرح مغاير لكل الأعمال الفنية المقدمة في المعرض، وقد وضع العمل في بداية التجوال عمدًا ليرحب بالزائرين ويدعوهم للحوار عملًا إثر عمل.

اللوحة 2: (حديث العيون)

للفنانة سكينة الشيخ

لوحة مقرؤة بصريًا، وقد نجد هذا الطرح بكثرة حول صور المشاهير التي تعرضها المجلات أو مواقع الإنترنت. وجه لشخصية معروفة مدموجة بين زمنين مختلفين، بين مرحلة الشباب والتقدم في العمر، حيث الهرم والتغضن، بنفس كيفية هذه اللوحة. هناك الصورة ملصقة كحد فاصل من أعلى وسط الجبين نزولًا لانشطار الأنف والفم والذقن، وهنا الفرشاة شطرت الوجه إلى نصفين، الأيمن هو الحيوي المشرق المتألق بشعر فاحم وعينين براقتين، والنصف الآخر الأيسر العكس تمامًا. الرأس غزاه الشيب، والوجه حفرته تجاعيد السنين التي فعلت فعلها بتحول الملامح نحو الشيخوخة كحقيقة مرة لا مناص منها.

لوحة تختصر دورة الزمن وقسوة آثاره على وجه الإنسان من تغضن وشحوب. استطاعت الفنانة أن تجسد فكرة التحول البشري بصورة متقنة. نتحسس ضربات الفرشاة بألوانها الزيتية الجريئة والقوية، وتكاد تلمس في كل جزئيات العمل. تشريح لتقاسيم تضاريس الوجه بين تباين لونين وتباين زمنين، أثر بالغ: كيف كنا وكيف أصبحنا، وما ترميه الفنانة هو عين الرضا عن كل متحول لملامحنا المتبدلة، وأن نتقبل ما لا بد منه كشيء حتمي في خريف العمر.

اللوحة 3: (رخامة الصبر)

للفنانة زهرة آل درويش

يتجسد أمامنا تمثال لامرأة باكية مائلة برأسها نحو كتفيها، (Figure) أقرب للتماثيل الإغريقية، بل محاكاة لها طبق الأصل. يتقاطع مع نسق الشكل وذات النظرة مع العديد من لوحات التماثيل الباكية، لكن من دون دموع بارزة.

استطاعت الفنانة أن تنقل صلابة الرخام عبر لون الأكريلك، مع إدراك واعٍ بالانتقال الناعم من الظل للنور، حيث الدقة الواقعية في رسم تموجات الشعر وإبراز الملامح النحتية، مع رقة انسياب الدموع على سطح الخد الحجري.

حاولت الفنانة المزاوجة بين الرسم الكلاسيكي المتمثل في الوجه، وبين المربعات والمستطيلات البارزة الملصقة على سطح الكانفاس، بقطع مكررة تحيط بالرأس من جهتين وتقترب عند الكتف، توزيع أقرب لشكل حرف اللام، كلها مليئة باشتغال التجريد الغنائي وتقطيع هندسي أشبه بالإيقاعات الزخرفية الحرة، وذلك لإشغال المساحة ضمن توليفة متوازنة، وكأن كل قطعة لوحة منفردة لوحدها. هي المواسية كوظيفة بنيوية وفضاء مفتوح للخروج من كنف الإطار المحدد.

الدموع المنسابة هي دموع أمل وليس دموع حزن، وجه يسترد عافيته ويرمم ذاته، فما أجمل حين يغدو الدمع المتلألئ على الوجوه أملًا وليس انكسارًا، بل قوة دافعة لتجاوز المحن. (رخامة الصبر) عنوان حكمة نحو المسير بتفاؤل وصلابة لا تلين نحو دروب الحياة، ضمن معتركها المستمر الذي لا يعرف الراحة والهدوء إلا لممًا.

اللوحة 4: (صراع)

للفنان هادي فيصل المروحن

من اللوحات المغايرة في المعرض، الخالية من الطرح التمثيلي المباشر، قد لا نرى شكلًا محدد الملامح لننطلق به نحو دلالات معينة، وقد يتوه بنا المفهوم من وراء التكوين، فالقبض على هكذا لوحات للإمساك بالمعنى المحدد كمن يمسك الهواء بيده. لكن حين نراه بالحدس وبالذائقة البصرية الصرفة ستقرؤه بصورة أخرى تمامًا، مثل ما اعتقد كاندينسكي:

(أن اللون والشكل يمكن أن ينقلا المشاعر والمفاهيم الروحية).

وعبر هذا المفهوم انحاز الفنان لحركة اللون الأبيض المطعم بالرماديات المشبعة بالتفاصيل المجردة، وكأن الشكل موجة نازلة من علٍ في لجة السواد، شحنة ديناميكية فاعلة ولافتة بصريًا، وقد تقلبها الأبصار كأنها غيمات تتشكل على بعضها البعض في ثوانٍ ولحظات، وتغدو أشكالًا مجردة لا تدوم، سريعة التغير والتداخل والاختفاء، تقرأ كلمحات عابرة وتعاد مرات ومرات كلما حركتها الريح.

عدسة فرشاة الفنان أرادها انتقالًا مزدوجًا بين يأس وأمل، وخيبة ورجاء، وتوهان وخلاص، مشاعر متحولة سلبًا وإيجابًا نحو صراع لا ينتهي.

تحية لهذا الفنان الشاب الجديد على ساحتنا التشكيلية، فهو خريج السنة الماضية 2025 من أمريكا.

The New School, Fine Arts (Illustration)

أي تخصص الرسوم الإيضاحية. إن كانت لوحته في هذا المعرض ذات نسق تجريد لوني صرف، فلديه رسومات خيالية ذات تكوينات سريالية، تعكس احترافيته العالية من أنامل فنان موهوب.

اللوحة 5: (عناق الصمت)

للفنان عبدالله العقيلي

مشهد يجمع فتاة بحيوان مفترس، رؤية قد تبدو متناقضة، كيف للرقة أن تجتمع مع التوحش في حيز واحد؟ هو اشتغال ليس بجديد في عالم الفن، لكن لكل فنان زاويته الخاصة، وعبدالله العقيلي فوكس المشهد باقتراب حميمي، حتى يخيل للناظر بأن هذا المفترس كأنه قط مسالم انتفت عنه حالة التوحش وأصبح أليفًا.

سكون المروض ليس الحيوان بحد ذاته، إنما استعارة لترويض الرجل الذي خرج عن طوره، ونسي إنسانيته وصار أقرب للحيوان ثم استكان. هنا التقاطة مجازية، حيث تجلت المرأة بما أوتيت من عاطفة جياشة بامتصاص غضب شريك الحياة، وتحويل الشراسة إلى وداعة.

تنبئنا تعبير الملامح من الغوامق للفواتح عن سلاسة ملامس السطوح بين فروة الحيوان ونعومة الأنثى. لقطة متوازنة بشكل مدروس، لم يتقاسم الاثنان المساحة بالتساوي، بل مساحة وجه الفتاة الحالم أكثر من حيز وجه النمر المروض، لأنها هي سيدة البيت، صاحبة القلب الدافئ والحنون، احتوت الزئير الذكوري المنفعل وأخضعته بحكمة الصبر، ليصبح مسالمًا ذو صوت خافت يكاد لا يسمع، وهنا اطمأنت لفعلها النبيل، راضية حالمة مستغرقة في عناق الصمت.

Uploaded Image

Uploaded Image

Uploaded Image

Uploaded Image

Uploaded Image


error: المحتوي محمي