ما إن يمرض أحد أفراد الأسرة حتى يلتف الجميع حوله، فيسارعون إلى خدمته وتلبية احتياجاته، وهو سلوك نبيل يعكس الرحمة والتكافل. وغالبًا ما يكون هذا الاهتمام سببًا في رفع معنويات المريض ومساعدته على التعافي السريع. لكن قد يحدث أحيانًا من غير قصد أن يتحول هذا الاهتمام نفسه إلى عامل يؤخر عودة المريض إلى حياته الطبيعية.
وقد أرشدنا القرآن إلى أن الشفاء بيد الله تعالى، فقال سبحانه:
﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: 80].
فالمرض يحتاج إلى العلاج، كما يحتاج إلى الرحمة والاحتواء والدعم النفسي؛ فالكلمة الطيبة والمساندة الصادقة قد تكون جزءًا من رحلة الشفاء. غير أن الرعاية الناجحة لا تقتصر على تخفيف الألم، بل تهدف أيضًا إلى مساعدة الإنسان على استعادة قدرته واستقلاله.
يلاحظ الأطباء في ممارستهم اليومية أن بعض المرضى، بعد تحسن حالتهم، يستمرون في التصرف وكأن المرض ما زال يمنعهم من ممارسة حياتهم المعتادة، رغم قدرتهم على أداء جانب كبير من شؤونهم اليومية. ويُعرف هذا في الطب بمفهوم المكسب من المرض (Illness Gain)، وهو مفهوم معروف في الطب النفسي وطب التأهيل.
وينقسم هذا المفهوم إلى نوعين: المكسب الأولي والمكسب الثانوي.
فالمكسب الأولي هو منفعة نفسية داخلية تتحقق من غير وعي عندما تخفف الأعراض الجسدية من التوتر أو الصراع النفسي.
أما المكسب الثانوي، وهو محور هذا المقال، فهو الفوائد الخارجية التي قد يحصل عليها المريض بسبب مرضه، مثل زيادة الاهتمام، أو الإعفاء من بعض المسؤوليات، أو الاعتماد على الآخرين، أو التعاطف المستمر. والمرض هنا يكون حقيقيًا، لكن استمرار هذه المكاسب قد يجعل بعض المرضى يتمسكون بدور المريض من غير قصد.
ولا يعني ذلك أن المريض يتظاهر بالمرض أو يخدع من حوله، كما لا يعني أن كل من يطلب المساعدة يبحث عن الاهتمام. فقد يحدث المكسب الثانوي مع وجود مرض حقيقي، ومن غير وعي من المريض. كما أن بعض الأمراض تترك آثارًا طويلة الأمد، مثل الجلطات الدماغية، وإصابات الحبل الشوكي، وبعض أمراض القلب والسرطان، ولذلك يجب أن يسبق أي تفسير للسلوك تقييم طبي دقيق.
ولعل من الأمثلة التي تتكرر في الممارسة الطبية مريض أصيب بجلطة دماغية أدت إلى شلل نصفي، ثم تحسنت حالته بالعلاج الطبيعي حتى استعاد جزءًا كبيرًا من قدرته الحركية. وأصبح قادرًا على أداء كثير من شؤونه اليومية، لكن أسرته بدافع محبتها وخوفها عليه استمرت في القيام بكل شيء نيابة عنه، حتى فيما أصبح قادرًا على إنجازه بنفسه. ومع مرور الوقت، نشأ لديه اعتماد أكبر على الآخرين مما تقتضيه حالته الصحية.
وقد يكون استمرار هذا السلوك بسبب بقاء بعض الضعف، أو الخوف من السقوط، أو الاكتئاب بعد المرض، أو ضعف الثقة بالنفس، أو الاعتماد الذي ترسخ خلال فترة العلاج. وقد يستمر هذا النمط أحيانًا دون أن يدرك المريض أنه أصبح معتمدًا أكثر مما تحتاجه حالته.
ولا يُقصد أن كل اعتماد على الآخرين يُعد مكسبًا ثانويًا؛ فبعض المرضى يحتاجون فعلًا إلى المساعدة المستمرة بسبب حالتهم الصحية. وإنما المقصود هو الاعتماد الذي يستمر بعد زوال الحاجة الطبية إليه أو بعد استعادة القدرة على أداء بعض الأعمال.
ويظهر المكسب الثانوي بصور متعددة، مثل كثرة الحديث عن المرض، أو المبالغة في تفسير الأعراض، أو طلب المساعدة فيما يستطيع المريض القيام به، أو تجنب العودة إلى العمل أو النشاط الاجتماعي رغم تحسن حالته. ويزداد احتمال حدوثه لدى كبار السن، والمصابين بالأمراض المزمنة أو الإعاقات، ومن طالت فترة علاجهم، وكذلك لدى من يعانون القلق أو الاكتئاب أو الوحدة.
وللأسرة والتربية دور مهم في ذلك؛ فالطفل الذي لا ينال الاهتمام إلا عند مرضه قد يربط من غير وعي بين المرض والحصول على الحب والرعاية. كما أن الإفراط في رعاية المريض بعد تحسن حالته قد يضعف ثقته بقدرته على استعادة استقلاله.
وقد تجد بعض الأسر بدافع الحب والخوف تستمر في معاملة المريض على أنه عاجز، رغم تحسن حالته، فيصبح الجميع، من غير قصد، شركاء في إطالة الاعتماد على الآخرين. فالمساعدة الأفضل ليست أن نفعل كل شيء بدلًا عنه، بل أن نساعده على فعل ما يستطيع بنفسه.
ويبدأ التعامل مع هذه المشكلة بالتأكد من عدم وجود سبب عضوي يمنع المريض من الاعتماد على نفسه، ثم تقييم حالته النفسية واستبعاد الاكتئاب أو القلق، وبعد ذلك تشجيعه تدريجيًا على استعادة نشاطه وممارسة أعماله اليومية. ويكون دور الطبيب هنا ليس الحكم على المريض، بل فهم الأسباب التي جعلته يستمر في هذا الدور، ثم مساعدته على تجاوزه، بالتعاون مع أخصائيي التأهيل والأسرة.
وينبغي أن تكون المساعدة بقدر الحاجة فقط، مع تقليلها كلما استعاد المريض قدراته، حتى لا تتحول الرعاية إلى اعتماد دائم.
إن الرحمة بالمريض لا تعني إبقاءه أسيرًا لدور المريض، كما أن تشجيعه على الاعتماد على نفسه لا يعني القسوة عليه. فالرعاية الناجحة تجمع بين التعاطف والتمكين، وتخفف الألم مع الحفاظ على كرامة المريض واستقلاله.
فالاهتمام الصادق يخفف معاناة المريض في بداية مرضه، لكن مساعدته على استعادة استقلاله هي أعظم صور الاهتمام عند تعافيه. فالطبيب الناجح لا يكتفي بعلاج المرض، والأسرة الواعية لا تكتفي بتقديم الرعاية، بل يسعى الجميع إلى أن يستعيد الإنسان ثقته بنفسه ودوره الطبيعي.
فالشفاء الحقيقي لا يعني زوال المرض فقط، بل عودة الإنسان إلى حياته، قادرًا على استعادة استقلاله، والقيام بدوره في أسرته ومجتمعه.
المصادر والمراجع:
1. American Psychiatric Association (APA).
Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders, Fifth Edition, Text Revision (DSM-5-TR).
American Psychiatric Association Publishing, 2022.
1. Sadock BJ, Sadock VA, Ruiz P.
Kaplan & Sadock’s Synopsis of Psychiatry: Behavioral Sciences/Clinical Psychiatry.
12th Edition. Wolters Kluwer, 2021.
1. Cifu DX (Editor).
Braddom’s Physical Medicine and Rehabilitation.
6th Edition. Elsevier, 2021.
1. World Health Organization (WHO).
Rehabilitation in Health Financing and Universal Health Coverage: Ensuring Access to Rehabilitation Services.
World Health Organization publications.
1. Merskey H, Bogduk N (Editors).



