بين جادّات الحياة وكبدها، وفي ظل سنة التدافع بين الناس، يبرز أولئك المحاربون الذين يصنعون من المعاناة إنجازًا، ومن العوائق تفوقًا، فجعلوا من سواعدهم معاول بناء لمجتمعاتهم، ومن فكرهم سُرُجًا متوهجة في لُجج العتمة.
لم يكن فقيدنا الراحل، الأستاذ جعفر علي آل خزعل، إلا واحدًا من هؤلاء النخب المُلهمين؛ فهو المعلم والمربي الفاضل الذي أفنى سنوات عمره في عطاء فيّاض، أنهل به الأودية غير ذي الزرع، فأصبحت مروجًا غنّاء تُؤنس الأنظار وتُبهج القلوب.
شعلةٌ منذ الصِّبا
لم يكن عطاء أبي أحمد وليد الصدفة، ولا طارئًا في حياته، بل كان توقًا نابعًا من أعماقه ومتأصلًا في وجدانه منذ الصبا، وشغفًا نابضًا في عروقه.
عرفته حينما كان جيلنا على مشارف سن التكليف. ففي مطلع ثمانينيات القرن الماضي، حين كنا في نهاية المرحلة الابتدائية، ولم نبلغ بعد سن التكليف، كنا نصلي الظهر في مسجد «الفتية»، حيث كان -رحمه الله- يلازم زاويته المعهودة في المسجد. ولأنه لاحظ عدم إتقاننا للصلاة، بادر إلى التقرب منا بأسلوبه اللطيف ونبرته الهادئة، فاجتذبنا إليه، وعقد لنا حلقات لتحفيظ قصار السور، وتعليمنا الصلاة الصحيحة، وتفقيهنا في أمور ديننا، لا سيما المسائل الابتلائية، مهيئًا إيانا لمرحلة البلوغ.
ولم يكتفِ بذلك، بل كان يعزز جهودنا بالجوائز والهدايا ليحفزنا على التنافس والتفوق، فكانت تلك اللبنات الأولى والأساس المتين الذي ارتكز عليه فهمنا ومعرفتنا لكل ما يتصل بأمور ديننا ودنيانا.
الأستاذ جعفر.. المرشد التربوي
من خلال متابعتي لأبنائي، وجدتُ في أبي أحمد أكثر من مجرد معلم يقتصر دوره على أداء مهامه الوظيفية أو الالتزام بساعات الدوام الرسمية؛ فقد كان أبًا حانيًا وموجهًا حكيمًا ترك بصماتٍ مضيئة في البيئة التعليمية.
ولفرط حرصه على تهيئة جيلٍ واعٍ ومتحضر، ظنَّ بعض الطلبة أن حرصه ذاك غلظةٌ في التعامل أو فضاضة في الأخلاق، دون أن يدركوا أن ذلك لم يكن إلا لمصلحتهم، ليكونوا أكثر قدرة على مواجهة صعوبات التحصيل الدراسي وتحديات المستقبل.
أمةٌ في رجل
لم ينحصر عطاء «أبو أحمد» يومًا في مجالٍ بعينه، بل اتسع ليشمل ميادين عدة؛ ففي الجانب الفكري كان محاورًا وكاتبًا ومنظّرًا ومقدمًا بارعًا، وفي المجال الاجتماعي عُرف بنشاطه وتميزه وابتكاره، لا سيما إبان عضويته في «كشافة السلام»، كما كانت فترة وجوده في الجمعية خير شاهدٍ على شغفه وإخلاصه في المهام الموكلة إليه.
كم كان عضوًا فاعلًا في لجانٍ عديدة، وكم قدم من محاضراتٍ ودوراتٍ تدريبية مجانية، فضلًا عن جهوده في تأسيس وإحياء المناسبات الدينية التي كانت تتطلب حضورًا ذهنيًا وجسديًا في آنٍ معًا.
وإلى جانب هذه الأنشطة المعلنة، كانت له مبادرات إنسانية وأعمال جليلة تصب في مصلحة المجتمع والعباد، كان يؤديها في الخفاء طمعًا في وجه الله ورضاه، إذ تبنى حمل الكثير من هموم الأهالي وقضاياهم.
ورغم مرضه العضال وما ترتب عليه من متاعب وآلام، سلّم أمره إلى الله، وظل مقاومًا ومثابرًا، ولم يحل ذلك المرض دون استمراره في العطاء سبيلًا لرقي مجتمعه فكريًا وحضاريًا.
المصاب الجلل
شكّل رحيل «أبو أحمد» مصابًا جللًا هزَّ أرجاء المجتمع الذي أجمع على طهارة سيرته ونبل أصله، وما غرسه من خصالٍ أينعت ثمارها منذ الصغر.
وإن الحشود التي شيعته، والحضور الغفير في مجلس العزاء، ما هما إلا برهانٌ جليّ على مكانة فقيدنا السعيد، ومحبة الناس الصادقة له؛ فكيف لا، وهو ممن صنع الأمل من رحم المعاناة، وجسرًا يربط بين نبل المواقف وإيثار النفس ودفء الإنسانية، ليبقى أثره نبراسًا تتناقله الأجيال.
عظم الله الأجر لعائلته الكريمة وذويه ومحبيه في هذا المصاب الجلل، ورحم الله فقيدنا الأستاذ جعفر آل خزعل (أبو أحمد) رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته.



