02 , أغسطس 2026

القطيف اليوم

الأستاذ الحاج جعفر خزعل في ذمة الله

يا أبا أحمد…

هذه المرة لن أرثيك، ولن أعدّد محاسنك وفضائلك؛ ليس زهداً في حقك، بل لأترك للناس أن يتحدثوا عن أثرك، ويسردوا جميل سيرتك، حتى لا تكون شهادتي فيك مجروحة. فقد كنت لي جار السرور منذ أن كنا أطفالًا نلهو على ثرى الديار.

ولم تقف الصلة عند حدود الجوار، بل ارتقت تلك العلاقة حتى غدونا كأننا أسرة واحدة ينبض قلبها في جسدين. وتلك هي سيرة أهل فريق كربلا؛ لا يعرفون الفرق بين الجار والأهل، فالجميع أسرة واحدة يجمعها الود والمحبة.

ثم مضت بنا الأيام، وانتقلت إلى حي الريف، ومنه إلى مقاعد الدراسة في جامعة الملك سعود، بمدينة الرياض. ورغم بُعد المسافات، كنا نتكلف عناء السفر إليك وإلى زملائك، لا لشيء إلا لنأنس بقربكم. فكنتم تستقبلوننا بوجوه بشوشة، وقلوب مفتوحة، وحفاوة تغمر الأرواح قبل الأجساد.

ومضت السنون، وأخذت كلاً منا مسؤوليات الحياة، وانشغلنا بالأعمال والأبناء، لكن الحبل الموصول بالمودة لم ينقطع يوماً كانت الرسائل واللقاءات الخاطفة كافية لتجدد ما بيننا من صفاء، وتطمئن كلٌ منا على الآخر.

وقبل أشهر قليلة، تواصلت معي بعد صلاة الفجر عبر الواتساب، وسألتني برقتك المعهودة:
“هل تسمح لي بمكالمة؟”

فأجبتك مبتسماً:
“يا أبا أحمد… أنت لا تحتاج إلى إذن.”

كانت مكالمة تنبض بالحنين إلى الزمن الجميل، دعوتني خلالها إلى الإفطار في استراحة العائلة، فوافقت من فوري، وفي داخلي سؤال كبير: من سيكون معنا على مائدة الإفطار؟ أترى الجيران ورفاق الصبا قد اجتمعوا من جديد؟

وصلت إلى الاستراحة، فلم أجد سوى سيارتك متوقفة أمام الباب، فقلت في نفسي: لعل البقية لم يصلوا بعد.

وما هي إلا لحظات حتى خرجت تستقبلني بعناق واسع، وشوق صادق، أدخلني دفئه قبل أن أدخل المكان.

وما إن جلسنا حتى بددت تساؤلاتي كلها، وقلت بابتسامتك المعهودة:

“الدعوة لك وحدك يا أبا علي… لا أحد سوانا.”

جلسنا إلى مائدة الإفطار، وكانت أول لقمة تحمل مذاق الذكريات أكثر مما تحمل مذاق الطعام. وبعد القهوة والشاي قلت لي:

“تعال يا أبا علي… نستعيد شريط الذكريات، ونتحدث عن الفريق والأيام الخوالي.”

ثم أخذتني في جولة داخل الاستراحة، فوجدتها فسيحة، مشرقة، تنضح بالحياة والطاقة الإيجابية. ولم يكن ذلك إلا انعكاس لروحك الجميلة، ونفسك المرحة، وقلبك الذي كان يزرع البهجة أينما حل.

ثم خرجنا من بابها الخلفي إلى البراحة المجاورة، وسألتني:

“هل تعلم لماذا جئت بك إلى هنا؟”

قلت:
“لا يا أبا أحمد.”

فأشرت إلى المكان، وحدثتني بشغف عن حلمك بإقامة استراحة سمر للحركة الكشفية، تكون ملتقى للقادة والكشافين، ومقر للقاءاتهم ومعسكراتهم، ومنبر لتربية الأجيال على قيم الكشافة ورسالتها.

فقلت لك يومها:

“لقد أدركت الآن أن عنوان هذه الدعوة كلها هو الحنين إلى الزمن الجميل. وما هذا الحلم بغريب عليك؛ فأنا أعرفك جيداً … الفكرة عندك قد تمرض، لكنها لا تموت. وأنا أشد على يدك، وأقف معك بكل ما أستطيع حتى ترى هذه الجلسة النور، ويجتمع فيها أبناء الحركة الكشفية من جديد.”

لكن مشيئة الله كانت أسرع من الأحلام…

رحلت يا أبا أحمد قبل أن ترى ذلك المشروع الذي طالما تمنيته، وقبل أن تجمع تحت سقفه أبناء الكشافة، وتغرس فيهم من خبرتك وعطائك ما غرسته في أجيال مضت.

رحلت، وبقيت الفكرة شاهداً على اتساع رؤيتك، وبقيت سيرتك الطيبة تسكن قلوب كل من عرفك.

رحمك الله رحمة الأبرار، وأسكنك الفردوس الأعلى مع محمد وآله الطيبين الطاهرين، وجزاك عن أهلك وأصحابك ومجتمعك خير الجزاء.

وربط الله على قلوب أسرتك ومحبيك، وعلى قلوبنا جميعاً، بالصبر والسلوان.

وداعاً يا جار السرور…

فما زالت ذكرياتك تطرق أبواب القلب، وما زال صوتك، وبشاشتك، وصدق مودتك، يسكنون المكان، وكأنك لم ترحل إلا بالجسد، أما الأثر الجميل فلا يعرف الرحيل.

﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾


error: المحتوي محمي