27 , يوليو 2026

القطيف اليوم

كفى توجسًا.. بمشروع وهم تأجيل الطمأنينة واليقين

أهدي هذا النص، مع التحية، إلى المتوجسين والغارقين في وهم التوجس، وإلى كل قلب استنزفته وأنهكته «ماذا لو»، وإلى كل روح تعيش الحزن الاستباقي.

بدايةً، استهوتني جملة تقول: «الإنسان مدين لنفسه كل يوم بساعة هدوء، فهي بداية التوازن وراحة الروح».

وأثارت إحدى الأخوات دهشتي ورهبتي عندما سمعتها تقول لإحدى العزيزات: «أنا لا ولن أتزوج»، وبررت ذلك بخوفها من أن تنجب طفلًا معاقًا أو مريضًا ثم تفقده، فهي لا تتحمل ذلك!

وعليَّ أن ألتمس العذر ممن سيقرأني ويجد نفسه بين سطور هذا النص. وليطمئن قلبك، أيها القارئ، ودع التوجس بعيدًا عنك، قائلةً لك: كفى توجسًا.

وهنا تراودني استفسارات مجازية، بعضها صادم رغم واقعيته، وقد يلامس البعض نوعًا ما، ولكن لأرتشف قهوتي، سيدة المزاج، أولًا، لعلني أتمكن من صياغة فكرة هذا النص.

* كم مرة قضى البعض منا وقتًا أضاعه بالتفكير والخوف من أمور وأحداث شخصية قبل حدوثها؟
* كم مرة جلس البعض منا على عتبة القلق والترقب، ننتظر البعض دون حضور؟
* كم عدد القرارات التي تم تأجيلها أو تغييرها تفاديًا وخوفًا من الاحتمالات السيئة؟
* لماذا يداهم البعض منا الأرق والقلق والتوتر والخوف عند سماع بعض الأخبار السيئة، دون أن تمت لنا بصلة؟
* هل هناك مبرر أو دافع للاسترسال في التفكير السلبي والتشاؤمي بشأن الفقد والمرض دون داعٍ لذلك؟
* هل قضى أحدنا بعض الوقت مع نفسه وهو يسألها: ماذا لو حدث هذا أو ذاك؟
* كيف للمرء أن يستعيد التوازن والراحة والطمأنينة والاستقرار؟
* أليس التوجس هدرًا للنفس والروح والجسد، ولعله أيضًا قد يسرق منك صحتك وضحكتك؟ وماذا بعد؟

التوجس هو حدس خفي وشعور يؤرق ويزعج بعض النفوس الضعيفة المتشائمة الواهمة دون معنى، حيث يبث فيها القلق من القادم وإن كان مجهولًا.

ورغم أن التوجس ليس خوفًا واضحًا، فإن الشخص المعني يكون في حالة ترقب لحدوث مكروه يجهل ماهيته وأبعاده. وقد يعيش البعض على حافة الاحتمال والتشاؤم والقلق والترقب والتوقع، فتجد ذلك الشخص يكثر من استخدام المفردة الشيطانية: «ماذا لو»، وبداخله قلق وخوف استباقي، لدرجة أن البعض منهم قد يستنزف حاضره بلا معنى.

ويكفي أن الفيلسوف اليوناني أرسطو وصف التوجس بأنه: «الخوف من المحتمل».

يأتي الشعور بالتوجس من التفكير والتصور المفرط، والذي أعدّه متعبًا ومستنزفًا للذهن. ولعل البعض يعيش احتمالات سيئة بعيدة عن الواقع، بينما بقي آخرون ينتظرون أحداثًا وأخبارًا يسودها السوء والشر، فتضعف طاقتهم وقدرتهم، وهي مشاعر مرهقة ومخيفة ومستنزفة استباقيًا، دون استعداد، وبلا دليل أو مبرر.

لا ينبغي أن نعيش حياتنا وكأننا في زنزانة الانتظار والترقب.

عجبي من هذا الشعور العبثي! وكأنني أتخيل أن هناك من يحاول أن يشرب مياه البحر خشية مواجهة الظمأ والعطش!

علينا أن نعيش يومنا كاملًا، لحظة بلحظة، دون أن نرهق أرواحنا بالخوف.

ولعل البعض هنا قد يفسر ما ذكرته بأنني غير مبالية، والعذر من ذلك. أنا فقط أدعوك إلى التفاؤل، والإنصاف، والتوكل على الله سبحانه وتعالى، فالقادم من الأيام حين يأتي سيحمل معه رزقه، ولنستعد له ونحن مطمئنون، دون أن ننهك أنفسنا قبل أن يبدأ اليوم.

ما قصدته هنا، عزيزي القارئ، بالطمأنينة واليقين، ليس غفلة ولا سذاجة، ولكن شعوري، كإنسانة، بالعجز عن إدراك الغد المخبوء، ولندع السماء تحمله عنا دون أن نستنزف الحاضر.

فلا ينبغي أن تكون الطمأنينة مؤجلة، فهناك رب معنا، يحمينا ويحفظنا.

وأخيرًا،

أعتذر من المتوجسين، وأقول لكم بصوت رفيع مسموع:

عيشوا الآن… وكفى توجسًا، أعزائي، من وهم الحذر.

فالتوجس والقلق واردان، لكن أرجو ألا تخسروا اللحظة وأنتم فيها، فالحياة لا نعيشها مرتين.

وكأن البعض من هذه الفئة مؤمن بالوعد الكاذب بالأمان!

ألا يكفي أن هناك من يهرب من غدٍ لم يأتِ بعد، والغد غيب، وليس مسؤوليتكم؟

فالقلق والخوف لا يغيران الغيب، بل يدمران ويفسدان الحاضر.

فلنعش يومنا… دون توجس.


error: المحتوي محمي