قد ينتقد الإنسان من يبحث عن الشهرة، ثم ينزعج عندما لا يلتفت إليه أحد. وقد يسخر من شخص يعبر عن مشاعره، بينما يتمنى في داخله لو امتلك شجاعته. وقد يلوم غيره على تغيير مواقفه، ثم يجد لنفسه عشرات المبررات عندما يفعل الشيء نفسه.
فهل نحن أمام إنسان منافق؟ أم أن النفس البشرية أكثر تعقيدا من الأحكام السريعة التي نطلقها عليها؟
نحن نحب أن نضع الناس في قوالب واضحة: هذا صادق، وهذا مخادع، هذا ثابت، وهذا متقلب. وكأن الإنسان يجب أن يعيش بفكرة واحدة وصورة ثابتة لا تتغير.
لكن الإنسان ليس بهذه البساطة.
في داخل كل واحد منا قيم يؤمن بها، ورغبات تجذبه، وتجارب سابقة شكلت نظرته إلى نفسه والآخرين، وصورة يحب أن يراه الناس بها، وأجزاء أخرى يخفيها أو لم يفهمها تماما.
ويفسر علم النفس بعض هذا الصراع بما يعرف بالتنافر المعرفي، وهو التوتر الذي يشعر به الإنسان عندما يتعارض سلوكه مع معتقداته أو الصورة التي يحملها عن نفسه. عندها يحاول أن يجد تفسيرا يجمع بين ما يؤمن به وما يفعله، أو يخفف به شعوره بالتناقض.
قد يدعو إلى التسامح، ثم يغضب من رأي يخالفه. وقد يطالب أبناءه بحرية الاختيار، ثم لا يقبل منهم إلا ما اختاره لهم. ويتحدث عن القناعة، بينما يقارن حياته باستمرار بحياة الآخرين.
هذا التناقض لا يعني بالضرورة أن الإنسان فقد مبادئه، كما أنه لا يحول خطأه إلى صواب. فقد يكون ضعفا بشريا، أو صراعا داخليا، أو فجوة بين ما يتمنى الإنسان أن يكونه وما يستطيع تطبيقه فعلا.
لكن المشكلة تبدأ عندما ينكر الإنسان تناقضه، ويبيح لنفسه ما يمنعه عن الآخرين، ثم يستخدم القيم ليحاكمهم ويتعالى عليهم.
ولهذا نرى تناقضات غيرنا بوضوح، بينما نمنح تناقضاتنا أسماء ألطف؛ نسمي خوفنا حكمة، وغيرتنا اهتماما، وسيطرتنا حرصا، وكذبنا مجاملة.
ومع ذلك، ليس كل تصرف يصدر عن الإنسان انعكاسا كاملا لشخصيته. فقد تؤثر الضغوط الشديدة، أو بعض الظروف النفسية والصحية، في إدراكه وحكمه على الأمور وقدرته على التحكم في سلوكه.
لذلك لا يصح أن نختزل إنسانا كاملا في موقف واحد، خصوصا إذا صدر ذلك الموقف في ظرف غير طبيعي. والفهم هنا لا يعني تبرير الأذى أو إسقاط المسؤولية، بل يعني ألا نتسرع في تحويل موقف عابر إلى حكم نهائي على صاحبه.
وفي النهاية، لا يوجد إنسان بلا تناقضات. كلنا نعيش بين ما نؤمن به، وما نرغب فيه، وما نستطيع فعله، وما نريد أن يراه الناس فينا.
لكن الفرق بين من يرى تناقضه ويحاول فهمه وإصلاحه، وبين من يخفيه ثم يستخدمه لمحاكمة الآخرين.
لأن أسهل ما نراه هو التناقض في غيرنا، وأصعب ما نواجهه هو التناقض الذي يسكننا.



