09 , يوليو 2026

القطيف اليوم

كلُّ يومٍ... نسخةٌ أفضل منك

إن كلمات أهل البيت (عليهم السلام) ليست مجرد مواعظ تُقرأ، بل هي نورٌ يضيء دروب الحياة، وينابيعُ للحكمة، ومناهجُ متكاملةٌ في بناء الإنسان. فكل كلمةٍ صدرت عنهم تحمل بين حروفها رؤىً عميقة، وبصائر نافذة، ودروسًا تتجاوز حدود الزمان؛ لتخاطب الإنسان في كل عصر. غير أن هذه الكنوز لا تُدرك بمجرد القراءة، وإنما بالتأمل في معانيها، والتدبر في مقاصدها، واستخراج ما تختزنه من دررٍ تربوية، وإشاراتٍ تهدي إلى طريق الرشد.

ومن الكلمات المضيئة التي تستحق الوقوف عندها والتأمل في أبعادها، ما رُوي عن الإمام علي بن الحسين السجاد (عليهما السلام) أنه قال:
«وإن استطعت أن تكون اليوم خيرًا منك أمس، وغدًا خيرًا منك اليوم، فافعل» [1].

ثلاث كلمات تختصر رحلة الإنسان في الحياة: الأمس... اليوم... الغد. أو بعبارة أخرى: الماضي... الحاضر... المستقبل.

لكن الإمام السجاد (عليه السلام) لا يريد منا أن نبقى أسرى الأمس، ولا أن نكتفي بالحاضر، بل يدعونا إلى حركةٍ دائمة من التطور والارتقاء. فالأمس مدرسةٌ نتعلم منها، واليوم ميدانُ العمل، والغد ثمرةُ ما نصنعه اليوم.

ولعل من المفارقات التي نعيشها أن كثيرًا من الناس يحرصون على تحديث حالتهم في وسائل التواصل الاجتماعي بصورةٍ يومية، فيضيفون كل يوم صورةً جديدة، أو فكرةً جديدة، أو خبرًا جديدًا، وهذا أمرٌ حسن إذا كان فيما ينشرونه خيرٌ ونفع. لكن الأجمل من تحديث الحالة أن يُحدِّث الإنسان نفسه، فيضيف إلى شخصيته كل يوم علمًا، أو مهارةً، أو خلقًا، أو تجربةً نافعة. فالتجديد الحقيقي ليس فيما يراه الناس على الشاشات، بل فيما ينعكس على حياة الإنسان التعليمية، أو المهنية، أو الاجتماعية، ليصبح كل يومٍ أفضل من سابقه.

إن المؤمن لا يقارن نفسه بالناس، وإنما يقارن نفسه بنفسه، ويسأل في نهاية كل يوم: هل أصبحت اليوم خيرًا مما كنت عليه بالأمس؟

ولكي يتحقق هذا التطور المستمر، فإن هناك خمس مهارات تستحق أن يحرص الإنسان على تنميتها كل يوم، وهي: إدارة الوقت ليستثمر يومه فيما ينفع، والتعلّم المستمر ليزداد علمًا وخبرة، والتواصل الفعّال ليحسن علاقاته بالآخرين، وحل المشكلات واتخاذ القرار ليحوّل التحديات إلى فرص، والانضباط الذاتي ليحافظ على عاداته الإيجابية ويواصل السير نحو أهدافه. فهذه المهارات ليست مجرد أدوات للنجاح المهني، بل هي وسائل لصناعة إنسانٍ أفضل، يرتقي بنفسه يومًا بعد يوم.

إن الناجحين لا يعيشون أسرى الماضي، ولا يرضون بالوقوف عند إنجازاتهم، بل يستفيدون من تجارب الأمس، ويجتهدون في حاضرهم، ويرسمون لأنفسهم خطةً واضحة نحو مستقبلٍ أفضل.

فليكن لكل يومٍ إضافة، ولكل أسبوعٍ إنجاز، ولكل عامٍ نسخةٌ أجمل من نفسك؛ فالحياة لا تُقاس بعدد الأيام التي نعيشها، وإنما بمقدار النمو الذي نحققه فيها. وما أجمل أن يختم الإنسان يومه وهو يشعر أنه تقدَّم خطوةً نحو الله، وخطوةً نحو النجاح، وخطوةً نحو أن يكون خيرًا مما كان عليه بالأمس.

الهوامش 
1 ]  الأمالي للشيخ المفيد: ص184.


error: المحتوي محمي