استلهم الشاعر هادي رسول، المنحدر من بلدة البحاري بمحافظة القطيف، فكرة اللجوء العاطفي إلى جمهورية القلق، عبر إصداره الخامس المعنون بـ«لاجئ عاطفي في جمهورية القلق»، الصادر عن دار كلمات في العراق، من فكرة المدينة الفاضلة التي أسسها أفلاطون وذكرها في كتابه «الجمهورية»، وما أجراه من طرد الشعراء منها؛ لإيمانه بأنهم يبتعدون عن العقل، ويتخذون من العاطفة وما تستدعيه من الخيال والوهم منهجًا في كتاباتهم، مما شكل خطرًا على سكانها واستقرارها؛ لأنهم يؤثرون العاطفة على العقل من خلال بناء المعاني وتشكلها كصورة درامية في الشعر الملحمي، كقصائد هوميروس وهسيودوس، وكيفية تقديمهم الأبطال في نصوصهم.
واستهل هادي رسول أبجديته بإهداء يحمل الرؤية الشعرية التي تسافر به إلى فضاءات الكتابة، وإلى مسافات القلق العاطفي النابض بالعزلة المستفزة لليراع، والمتعلق بالرؤى المتخيلة؛ ليكشف عن عالمه المتفرد الذي يبوح من خلاله، فكتب: «إلى كل الأصدقاء الذين وردت أسماؤهم في هذا الكتاب، حيث الشعر قلق المراحل، والمسافات التي لا تنتهي».
ويأتي الإصدار ضمن سلسلة إصدارات منتدى صهيل الكلام الذي يديره الشاعر علي مكي الشيخ؛ لتجسد كتابة السيرة الإبداعية لأعضاء المنتدى، وما تحفل به تجاربهم من عمق معرفي ونشاط كثيف، كمشروع توثيقي، بداية من منطقتهم الجغرافية القطيف، وتجاوزها إلى مناطق عربية، وربما عالمية.
وأوضح الشاعر علي مكي الشيخ أن مشروع منتدى صهيل الكلام يهدف إلى خلق بيئة أدبية قطيفية حاضنة لكل أجيال الشعر والأدب، تنفتح على كل مديات الفن والنشاط المعرفي، وتعتمد على الحوار المفتوح والنقاشات الجادة؛ لصناعة المحتوى الثقافي والأدبي، وصولًا إلى إفراز مخرجات تأصيلية لأدب قطيفي راقٍ، كما أنه يحاول أن يستضيف كل رموز صانعي المنجز المعاصر.
ويحتضن كتاب «لاجئ عاطفي في جمهورية القلق» خمسة فصول، تناول في الفصلين الأول والثاني تجربة السيرة وسيرة التجربة، وهو ما يتعلق بالمشروع الذي دعا إليه منتدى صهيل الكلام، حيث استعاد هادي رسول تجربة وعورة كتابة السيرة من خلال إصداره الأسبق «نداء على حافة الأبدية»؛ لينطلق من ذلك إلى سرد تجربته الإبداعية في عالم الكتابة والأدب، متأملًا إرهاصات الموهبة ومغذياتها ومشتركاتها التي تقاسمت معه إناء الشعر والأدب وأطلقتها كتجربة ناضجة في فضاءات الشعر واللغة والأدب، وعن تعالقاتها مع الفنون ومصائرها في لعبة القدر.
وحفل الفصل الثالث، الذي جاء بعنوان «النص السيرة»، بمجموعة من النصوص الشعرية التي تشكّل وعي الشاعر القلق بسيرته الإبداعية، وجاءت عناوين النصوص الشعرية كالتالي: «سفراءُ رعشةِ القلق»، و«عُزلةٌ.. على أطرافِ المُخيّلة»، و«مرثيةٌ على جدار العدم»، و«ما لم يقلْهُ ابن العبد»، و«ربما شاعر… ربّما دم نبي!»، و«غيبُ المسافات».
وقدَّم هادي رسول، تحت عنوان «كتابة موازية»، في الفصل الرابع، عددًا من الأوراق البحثية والمقالات النقدية التي عبّر بأنها تحمل الوعي الفني والنقدي للتجربة، ويراها عنصرًا مهمًا من ملامح تجربته النقدية للشعر والأدب، مشيرًا إلى أن من ضمنها ورقة بحثية مكثفة وجديدة حول الأثر الشعري في الأعمال السردية.
واختتم هادي رسول الكتاب بالفصل الخامس، الذي جاء بعنوان «حوارات»، وجمع فيه ثلاث حوارات صحفية أجريت معه في ثلاث صحف عربية مهمة، هي: القبس الكويتية، والعرب اللندنية، وعكاظ السعودية.
ويرى هادي رسول أن هذه الحوارات، التي تناولت التجربة والرؤيا الشعرية بشكل عام، ودخلت فيها الإصدارات بحسب المرحلة، جاءت في فترات زمنية مختلفة، وتشكّل سيرة وعيه الشعري في كل مرحلة، بما حملته من أسئلة ذكية من المحاورين استطاعت أن تدخل إلى معمل تجربته الإبداعية ووعيه النقدي بالأدب والمشهد الأدبي.
وقال: «إني أعتبر هذه الحوارات هي سبر للسيرة الشعرية والأدبية في مراحلها المتلاحقة».
وطرحت «القطيف اليوم» سؤالًا على الشاعر، مفاده: بالنسبة لطرد الشعراء من مدينة أفلاطون، فقد استلهمت هذا الأمر واتجهت إلى جمهورية أسميتها القلق، في حين أن طردهم من المدينة لم يكن لسوء الشعراء؛ بل لأنهم يأخذون طرحهم عاطفيًا، وهذا ما يفسد مدينته الفاضلة التي تعتمد على العقل - بحسب رأيه -، فهل اللجوء إلى القلق والعاطفة، بكون العاطفة تمثل الركيزة الأساسية للشاعر، وأن القلق يمثل حالة الاستفزاز المستمر له؛ ليبدع؟
وبيّن هادي رسول أن إصدار «لاجئ عاطفي في جمهورية القلق» لا يناقش فكرة أفلاطون الذي طرد الشعراء من مدينته الفاضلة، لكن العنوان استلهم فكرة أفلاطون في الذهاب نحو الرؤيا الإبداعية فيما أسماه جمهورية الشعر التي تقوم على القلق والوهم والخيال، وهذه العناصر التي مجّها ونبذها أفلاطون في الشعراء، حيث مدينته الفاضلة التي تقوم على العقل والحقائق.
وأضاف: «إن الكتابة الإبداعية فعل هروب من جلافة العقل واستبداد الواقع، وما القلق إلا ذلك الخيط المشدود الذي تقوم عليه رؤية الكتاب في فصوله الخمسة، فمنذ أن طرد أفلاطون الشعراء من جمهوريته، لجأوا للقلق الإبداعي الذي هو منجى وملاذ المخيلة والروح والرؤيا الإبداعية».
وبيّن أن الشعر بطبيعته قلق إبداعي، والكتابة الشعرية هي فعل لجوء عاطفي لمدائن الشعر، والشعراء متمردون هاربون من سلطة الحقيقة نحو حرية الكتابة والخيال.
ويُذكر أن منتدى صهيل أصدر من سيرة شعرائه خمسة إصدارات، جاءت على التوالي: «سيرة خائنة» للشاعر والناقد محمد الخباز، و«حارس القلاع» للشاعر والأديب شفيق العبادي، و«تجربتي بين الصحافة والأدب» للكاتب سلمان آل عيد، و«سيرة الكاتب محمد الحميدي» إلى زينب سلمان، و«القاص الذي أخرج نساء قريته من الجنة» إلى حسين السنونة.
وتضم إصدارات الشاعر والكاتب هادي رسول: «نبوء الطين» - مجموعة شعرية - دار أطياف 2013م، و«مخط القلادة» - مجموعة شعرية صوتية - 2016م، و«نداء على حافة الأبدية: سرد وشعر» - دار مدارك 2020م، و«عبر لنهر هيراقليطس» - نقد إبداعي - دار مدارك 2025م، و«لاجئ عاطفي في جمهورية القلق» - دار كلمات 2026م.



