لم تكن أيام كورونا مجرد أزمة صحية هزّت العالم، بل كانت أيضًا فرصة نادرة دفعت كثيرًا من الناس إلى مراجعة أولوياتهم واكتشاف جوانب من قدراتهم لم يكونوا يلتفتون إليها. وبينما فرضت العزلة نفسها على الجميع، وجد البعض وقتًا للتعلم والتجربة وتطوير الذات، فتحولت تلك الأيام الصعبة إلى محطة غيّرت مسار حياتهم.
فقد وجد بعض الناس في تلك الفترة مساحة لصقل مواهبهم واكتساب مهارات جديدة. فمنهم من ألّف كتابًا، ومنهم من أتقن حرفة، أو تعلم فن الطبخ، أو طور مهاراته في استخدام الحاسب والتصوير، أو دخل مجالات لم يكن يتوقع أن يخوضها يومًا. وكانت تلك الفترة نقطة تحول حقيقية في حياة كثيرين.
ولم تكن هذه الإنجازات مجرد محاولات عابرة عند الجميع؛ فهناك من بدأ في تأليف الكتب أيام كورونا بدافع استثمار وقت الفراغ، ثم اكتشف متعة الكتابة، فواصل القراءة والبحث والتأليف، حتى أصبح يصدر كتابًا بعد آخر، وتحولت الكتابة من هواية مؤقتة إلى مشروع ثقافي يترك أثره في المجتمع.
وفي المقابل، كانت هناك بدايات أخرى لا تقل جمالًا؛ فشخص بدأ يكتب الشعر، ثم واصل صقل موهبته حتى أصبح شاعرًا يُشار إليه. وآخر دخل عالم صناعة المحتوى، ومع الاستمرار والتطوير أصبح ذلك بابًا من أبواب رزقه. وأخرى بدأت بتجارب بسيطة في إعداد الطعام، ثم نمت خبرتها حتى أصبح الطبخ مشروعًا ناجحًا ومصدر دخل كريم.
ولا أظن أن أحدًا منا لا يعرف قريبًا أو صديقًا كانت له قصة مشابهة في تلك الأيام؛ فقد كشفت كورونا عن طاقات كامنة لدى كثير من الناس، لكنها في الوقت نفسه كشفت أن الاستمرار أصعب من البداية.
غير أن البدايات وحدها لا تصنع الإنجاز، وإنما الذي يصنعه هو الاستمرار.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: كم شخص حافظ على ذلك الزخم؟ وكم واحد واصل تطوير مهارته حتى أصبحت جزءًا من حياته، أو سببًا في نفع الناس وربما مصدرًا لرزقه؟ وكم منا توقفت مشاريعه بانتهاء الجائحة، وكأنها سحابة صيف مرت سريعًا ثم اختفت؟
والواقع أن الإنسان قد يكتشف في مرحلة من حياته موهبة لم يكن يعلم بوجودها، لكن الحفاظ عليها يحتاج إلى عزيمة ومثابرة. فالموهبة لا تنمو إلا بالممارسة، والمهارة تضعف إذا أهملها صاحبها، والإبداع يخبو إذا استسلم الإنسان للتكاسل. فالقيمة ليست في أن تبدأ، بل في أن تجعل البداية عادة، والعادة إنجازًا مستمرًا.
إن أجمل ما خرجنا به من تلك المرحلة ليس مجرد الذكريات، بل ما تعلمناه خلالها من مهارات، وما اكتسبناه من عادات، وما اكتشفناه في أنفسنا من قدرات. ولذلك فإن من الحكمة ألا نغلق تلك الصفحة تمامًا، بل أن نعيد فتح المشاريع التي بدأناها، ونواصل تطويرها، وألا نسمح لضغوط الحياة بأن تطفئ الحماس الذي ولد في تلك الأيام.
فلنجعل من تجربة كورونا محطة لإعادة التموضع، لا سحابة صيف عابرة. ولنعد إلى تلك الأفكار والمهارات التي بدأناها، فننميها ونطورها ونشارك بها مجتمعنا؛ فالأمم لا تتقدم إلا بأفراد يؤمنون بأن البناء رحلة مستمرة، لا لحظة مؤقتة.
وربما كانت كورونا امتحانًا للعالم، لكنها كانت أيضًا فرصة لاكتشاف الذات وإعادة بنائها. ومن المؤسف أن يضيع ما بنيناه في تلك الأيام، بينما الأجدر أن نجعلها نقطة انطلاق لمستقبل أكثر علمًا وإبداعًا وإنتاجًا، لا مجرد ذكرى يطويها الزمن.
فالفرص لا تصنع الإنسان، وإنما الإنسان هو من يصنع من الفرص مستقبلًا.



