07 , يوليو 2026

القطيف اليوم

صور اجتماعية من عاشوراء (4)

رجال ونساء في"الخدمة" معظم ساعات اليوم في عمل دؤوب، فيما يشبه خلية نحل لا يكاد نشاطها ينقطع على مدار الساعة. 

بين من يعمل في التنظيف وإعداد أماكن التعزية والمآتم وما يلزمها، ومن ينشغل بإعداد الطعام للمعزين، وأطفال يعملون طوعًا في إكمال عدة الكوادرالعاملة في خدمة أماكن العزاء. 

إنها الخدمة الحسينية الشريفة التي يرون فيها - بخلاف سائرأنواع الخدمة -، الشأن الرفيع، والعزة. وقد عبّر عن ذلك شاعرهم: "كل الخدم تنهان شفناها بالعين؛ بس بكرامة تعيش خدّام الحسين".
إنها حالة من التفرغ شبه التام للخدمة..  أرأيت كيف يتفرغ العبد لخدمة سيده؟

أما عند آخرين فهي حالةٌ من الاتحاد، والذوبان في الجماعة. ولعلكم رأيتم كيف أن بعضهم بانقضاء عدّة أيام الخدمة، يبكي بكاء الثاكل لفراقها، وانقطاعه عن هذا العمل حتى تعود أيام الخدمة عليه من جديد. فيواسيه رفاقه في الخدمة بالدعاء له تسلية لقلبه المثكول: "عايد على هالأيام إن شاء الله.. الله يعودك ! " 

كيف لا وقد شغلت جُلّ أوقاتهم ليلاً ونهارًا في هذه الخدمة التي يحلّق الواحد منهم في سماء العطاء، ويغترف – في الوقت ذاته – من نهر الحسين العذب الذي يملؤه من عنفوان الألطاف الإلهية. وهو عطاءٌ يتمثل في خدمة الهدف النبيل والسيد الشريف، والسير على خطاه في بذل لا حدود له، وعطاء ممتد لا ينقضي بانقضاء الأيام المعلومة. سمعت أحدهم يقول متمسكًا بخدمته: "ما أخلي الحسين وحيد!" 

هكذا يشعر هذا المعطي أنه مع الحسين؛ حينما يقضي وقته في بيت من بيوت الحسين، وخدمة المعزين في مآتمه. فهو في مطبخ العشق يقضي الساعات الطوال في إعداد الطعام لا يعبأ بالوقوف لساعات ممتدة في مواجهة حرارة القدور مضافة إلى حرارة الطقس الصيفي اللاهب. 

امرأة كبيرة في السن تخدم في الطهي وتجهيز الطعام للمآتم والمعزين؛ تجيب سائلها الذي استفهم عن تعبها وتحملها حرارة  نار المطبخ ولهيب الطقس الصيفي الحار، تجيب باكية: "وش هالتعب من تعب زينب؟!" إنها ومن معها في إعداد الطعام من الرجال والنساء الامتداد الاجتماعي والتاريخي والوجداني لمطبخ الإمام زين العابدين الذي أمر بالطعام للمعزيات في مدينة جده المصطفى (ص) بعد عودة الركب من كربلاء. 

أما المرأة المُعزّية فيمتد سعيها غالبًا طوال العام، فهي التي تبدأ مع المجتمع بالعشرة الأولى، ثم تواصل إلى "العشرة الثانية" و"العشرة الثالثة" وهكذا. فهي تعيش في وجدانها أيام زينب، شريكة الحسين في همه وعزمه، وكفالة عياله وزعامة الطالبيين بعده إلى جانب السجاد. 

بعد جهد أيام العشرة تقول للأم الكبيرة في السن: ألا ترتاحين؟ تردّ وقد توحّدت بحزن السيدة زينب عليها السلام ومسيرها الشاقّ: "وأترك زينب؟!" فهي تسعى بين المآتم كما سعت زينب بين الحسين والعباس، وكما سعت هاجر بين الصفا والمروة. 

في زاوية أخرى، تسأل المرأة التي أوشك الليل أن يحلّ على مجلس عزاء لم ينقضِ حزنه ونوائحه. ألا تقومين قبل المجلس بقليل؟ فتجيبك: " أستحي أكسر بخاطر الزهرا!"  

أما عند تقديم البركة، فكثير من الناس في حال دعوتهم في غير المناسبات المقدسة لأخذ شيء من الطعام أو مشاركته يستحون، ويشعرون بالحرج من مشاركة الداعي، أمّا والطعام "بركة الحسين"، فيرتفع الحرج الاجتماعي تلقائيًا، فللكلمة أثر يشبه السحر في النفوس، كما هو في شعور الإنسان المتلقي لها، لذلك ستجده حريصًا أشد الحرص عليها، يتغير العنوان فيتغير المعنون. فبدل أن يتمنع الواحد من الأخذ، يصبح مقبلاً محظوظًا بتناول البركة بل والسعي إليها. أما عن توفيرها بتلك الوفرة التي تكفي الجميع، إضافة إلى كونها "بركة" حقًّا، تنمو وتزداد، ويزداد الباذلون كلما حمي وطيس المنافسة في العطاء، وتعاظم الشعور بالانتماء للنهج وأهله.

يقول أحد الخدّام: نعاني أحيانًا ليست قليلة في توفير ما ينبغي في طرق الخير في سائر أيام العام. إلا في أيام الحسين؛ فإنه غنيّ ويُغْنِي !  

وإنك إن استكثرت العطاء والخير الذي يقدّم إليك، وطلبت الأقل حفاظًا على النعمة، يجيب الخادم أو الباذل: خذ... الحسين كريم! 

الكريم الذي يصل خيره للذي يُعنى أو لا يُعنى بمأتمه، وقد صدق قائلهم في المثل المحكيّ الشعبيّ:" ‏اللي ينوح واللي ما ينوح ياكل عيش لحسين" إذ إن الناس جميعًا، مؤالفهم ومخالفهم، قريبهم وبعيدهم، ذو الشأن ومن لا شأن له بالعزاء وأمره، ينتظر خير الحسين وبركته.

الكريم الذي بذل مهجته وأولاده وأهل بيته وأصحابه في سبيل الله، 
"أعطى الذي مَلَكَتْ يداهُ إلهَهُ
حتى الجنينْ فداهُ كلُّ جنينِ "
فمنحه الله الأكرم كل شيء، ومما منحه الله تعالى: محبّون باذلون كل شيء في سبيله. فلا يعودون يعبؤون بفقرٍ ولا عوزٍ. ولافاقةٍ ولا حاجة!


error: المحتوي محمي