أعزائي الحضور: أبثّ لكم عبر هذه الخاطرة شكواي من عصفور. أنتم القضاة وأطلب من حضراتكم العدالة. لا تقولوا الشاكي أضعف من المشكوّ فليس على هكذا تبنى العدالة!
آه، جاء الصيف وكنا ننتظر أن ينضج الرطب في نخلتنا. سقيناها سنةً كاملةً واعتنينا بها حتى إذا حملت ونضج الرطب "الغر" جاء العصفور يسرح ويمرح ويأكل كيف يشاء ومتى ما يشاء!
هل هذا يعقل؟ اعتدى العصفور على نخلتنا فصبرنا وما راعنا إلا أن يعتدي أيضًا على ثمار التنين! يتذوقها فإن أعجبته أكلها كلها وإلا خربها فلا نستفيد منها؟
انتظرنا النخلة وشجرة التين تكبر وتثمر وظننا أنا نأكل منها ونطعم الاصدقاء والجيران لكن هذا ما حصل - سبقنا العصفور - فأية عدالة هذه؟ أنتم أمام ثلاثة أمور، إما تحكموا أن نفتكَ بالعصفور، أو نحمي الثمار، أو ندعه يأكل من رزق الله!
ها، ماذا تقول يا عصفور؟
تعرفون يا سادة أنني عصفور صغير لا أملك نخلًا ولا زرعًا فمن أين آكل إذن؟ أنتم تبغضون بعضكم بعضًا فكيف لا تبغضونَنا نحن العصافير؟ تقولون من الواجب أن يكون كلّ واحد منكم أخًا للآخر فهل هذا ما نرى؟
ساد الصمت وفي الحاضرين شخص يتثاءب فأسقطنا عنك الدعوى:
يا الله بلاغ تعالَ السنة القادمة، تعالَ وكل ما تشاء. ضاقت بك الدنيا فلم يبق من الثمار والأشجار إلا القليل فأنت مضطر. كل يا عصفور هذا ما بقي لك من الدنيا أن تغالبَ الرجال على حبات رطبٍ وتين. هذا رزق الله الذي يرزق من يشاء بغير حساب:
لَم يُرزَقوها بِعَقلٍ حينما رُزِقوا .. لَكِنَّهُم رُزِقوها بِالمقاديرِ
لَو كانَ عَن قُوَّةٍ أَو مُغالَبَةٍ .. طارَ البُزاةُ بِأَرزاقِ العَصافيرِ
طالما خربنا البيئة التي تعيش فيها فيها يا عصفور لا حقّ لنا في مقاضاتِك. اتسع العمران وامتلأت الأرضُ بالدور والعمائر حتى لا نكاد نرى الشمس. الناس عندنا لا يبغضونك ولكن هذه تبعات تكاثر البشر!
لكن لي شرطٌ عليك يا عصفور:
أنا أعرف يا عصفور أن عددكم يتناقص. تعالَ وكل وإذا أكلتَ غني. ما ساقك القدر نحونا إلا لنسمع تغاريدكَ في الصباح. في البشر أصوات يحسب أصحابها أنهم يقولون شيئًا لكنكم - العصافير - تقولون أشياء أعمق وبأصواتٍ أجمل. أنتم تغنون للحياة وغيركم يغني للموت!
هذه ليلتي، وَحُلْمُ حَيَاتِي .. بَينَ مَاضٍ من الزّمانِ، وَآتِ!
الهَوَى، أَنَتَ كُلُّهُ، وَالأمَانِي .. فَاملأ الكأسَ بِالغَرامِ، وَهَاتِ!
بَعدَ حِينٍ، يُبدّلُ الحُبُّ دَارَا .. وَالعَصَافِيرُ، تَهجُرُ الأوكَارَا
وَدِيارٌ، كَانَت قَدِيمًا دِيارَا .. سَتَرَانَا، كَمَا نَرَاهَا، قِفَارَا!
سَوفَ تَلهُو بِنَا الحَياةُ، وَتَسخَر .. فَتَعَالَ، أُحِبُّكَ الآنَ، أَكثَر!
جورج سجعان جرداق (1933 - 2014)



