رجالٌ مشغولون طيلة العام بما يُصلح شؤون حياتهم، ويوفِّر معاشهم، فلا تجد كثيرًا منهم في سائر أيام السنة؛ لانشغالهم بطلب الرزق.
أمّا وقد أهلَّ هلالُ المحرم، فستجدهم قد أفرغوا من أوقات حياتهم لدنياهم إلى حياتهم الأخرى. فالأيام العشرة خارج إطار حساباتهم اليومية المعتادة طوال العام، وكأنها منذورة للحسين – وإن من غير نذرٍ معقود –؛ ينقطعون فيها انقطاعَ المتبتل والناسك لأداء المناسك، وينصرفون عن كل شيء من أجل "الخدمة".
عشرة التجارة!
يعمد المنقطع عن عمله إلى طلب إجازة رسمية كان بإمكانه التمتع بها في وقت آخر من السنة، إلا أن كثيرًا من الناس يفضلون أن يجعلوها فيما يسمونه "عشرة التجارة"؛ أي الأيام العشرة الأولى من شهر المحرم، التي يبتغون التفرغ فيها للخدمة الحسينية، أو للعزاء وحضور المآتم على الإمام عليه السلام.
قد يكون هذا المنقطع عن عمله منضويًا تحت مظلة عمل رسمي، وقد يكون صاحب عملٍ حرٍّ يطلب رزقه من مدخولٍ يومي يعتمد على حضوره، حتى إن كل دقيقة وكل ساعة تشكل فارقًا في دخله.
وقد يكون هذا المتكسب غنيًّا حريصًا، أو متوسط الحال، أو فقيرًا ذا دخلٍ ضئيل، إلا أنه يشعر بغنى كبير في نفسه، مستشعرًا أنه اغتنم أنفس الغنائم.
وحين تسأله عن السبب، يجيبك بيقين وطمأنينة، مستندًا إلى رزق لا ينقطع: "إنها عشرة التجارة". فهي في نظرهم تجارة استثنائية تختلف عن التجارة المعهودة؛ إنها التجارة التي لا تخضع لحسابات الربح والخسارة. وغالبًا ما يعقب هو أو من يسمعه بقول: "تجارةٌ لن تبور."
فلا عجب أن تجد بعض أهل التجارة يغلقون أبواب أرزاقهم المادية، وأن يعلِّق البيت الذي يفتح مجلسه اليومي لاستقبال ضيوفه من الأقرباء والأصدقاء طوال العام هذا النشاط عشرة أيام من السنة.
كما تتعطل مناسبات الأفراح والليالي الملاح طوال هذه الأيام، بل وعلى امتداد شهرين كاملين من الحزن، وتتجنب النساء فيها الزينة ومظاهر الفرح. ولسان حال الجميع قول شاعرهم:
في كُلِّ عامٍ لنا بالعشرِ واعيةٌ
تُطبِّقُ الدورَ والأرجاءَ والسُّكَكا
وكلُّ مسلمةٍ ترمي بزينتها
حتى السماءُ رمت عن وجهها الحُبُكا.



