كلمة قصيرة وبسيطة ولكن ، ليست كل الكلمات التي نسمعها أو عندما يقولها الأب لا تمر مرور العابرين، فبعضها تبقى عالقةً في الذاكرة عشرات السنين، لا لأن الحروف كثيرة، بل لأن الحياة أثبتت صدقها ، وقد تختصر كلمتان فقط منهجاً كاملاً في التربية، وتبنيان شخصيةً قادرة على مواجهة الحياة أكثر من آلاف النصائح والمحاضرات.
كان الأب يؤمن بأن الابن لا يُربّى على كثرة العطاء، وإنما يُربّى على معرفة الطريق إلى العطاء ، ولذلك، لم يكن الهدف أن يحصل الأبناء على ما يريدون بسهولة، بل أن يتعلموا كيف يصلوا إليه ببعض سعيهم و جهدهم، ثم يجدوا توفيقاً من الله ويداً حانية تكمل لهم الطريق.
في أواخر السبعينيات الميلادية، كان السفر من القطيف إلى مملكة البحرين عن طريق البحر بداية من الخبر وصولاً للمنامة ، حلماً يداعب خيال كثير منا ، ولم يكن جسر الملك فهد قد ربط الدولتين بعد، وكانت السفن الخشبية الكبيرة، التي عُرفت باسم «اللنج » تشق مياه الخليج بهدوء، في رحلة تمتد قرابة خمس ساعات.
رغم بطء حركة اللنج، فإنها لم تكن مملة بالنسبة لبعضنا ، كان البحر نفسه وأفقه جزءً من المتعة ، مياهه الصافية تكشف عن قاعه و أسراب الأسماك، أخطبوط ، أو طبق لزق ، أو الأعشاب البحرية ، وأحياناً يظهر كائن بحري يثير الدهشة، و تختلط رائحة البحر بصوت محرك اللنج، فتولد ذكريات لا تمحوها السنوات .
كانت رحلة البحرين تحتاج إلى مصروف ليس بالقليل ، أجرة اللنج ذهاباً وإياباً ، وليلة في فندق متواضع، والأكل ، وبعض الألعاب الإلكترونية التي كانت تملأ الفنادق آنذاك، إضافة إلى شيء من التسوق كالمتاي والحلوى والحلقوم والزلابية ، والماء الورد ، والبهارات … ، كانت تتطلب مبلغاً قد يصل إلى مائتين أو ثلاثمائة ريال، وهو مبلغ كبير بالنسبة لنا وكطلاب و في مقتبل العمر.
في ذلك الزمن، كان غالبية الآباء يعملون بجد لتوفير حياة كريمة لأسرهم ، بعضهم كان موظفًا في أرامكو السعودية ، أو شركة الكهرباء ، وفي غيرها من المؤسسات الرسمية ، أو معلم أو تاجر أو صاحب صنعة ، أو مزارع ، وكانت أوضاعهم المادية تسمح (لبعضهم) تلبية طلبات أبنائهم ، لكنهم كانوا يدركون تماماً أن منح المال أسهل بكثير من صناعة إنسان يعرف قيمة المال.
وحين كان أحد الأبناء يقف أمام والده طالباً مصروفاً لرحلة البحرين، لم يكن الجواب دائمًا فتح ( البوك) المحفظة، بل كثيراً ما كان يأتي في كلمتين فقط "روح اشتغل " لم تكن تلك العبارة رفضاً ، ولم تكن قسوة، بل كانت بداية درس ، كان الواحد منا يخرج منذ الصباح الباكر( الخميس والجمعة) ، باحثاً عن عمل، فلا يخجل من نقل الطابوق ، والكنكري ، و الرمل، أو تنزيل الفواكه ، والبطيخ ، والجح ، من سيارات الستيكات و الشاحنات، أو أي عمل يوفر دخلاً كريماً ، كان التعب جزءً من الطريق، وكان العرق هو الثمن الحقيقي للحلم.
وبعد أيام من العمل، قد يجمع جزءً من المبلغ الذي يحتاجه ، عندها فقط، يبتسم الأب، ويكمل له ما ينقصه ، ليس لأنه لم يكن قادراً على إعطائه المال من البداية، بل لأنه أراد أن يعلّمه أن الطريق إلى الحاجات ، والرغبات ، يبدأ بخطوة من الإنسان نفسه، وأن الناس يسعدون بمساعدة المجتهد والكاد ، أما الاتكالي والكسول ، فلن تكفيه أموال الدنيا.
هنا يكمن جمال التربية ، البسيطة العفوية ، لم تكن تحرم الأبناء، ولم تكن تدللهم ، كانت توازن بين الرحمة وبناء الشخصية ، تعطي، ولكن بعد السعي والحركة ، وتساعد، ولكن بعد المحاولة ، وتساند، ولكن دون أن تلغي مسؤولية الإنسان عن نفسه ، ولهذا خرج من ذلك الجيل رجال ونساء عرفوا قيمة العمل، واحترموا لقمة العيش، ولم يستصغروا أي مهنة شريفة، لأنهم تربوا على أن الكرامة لا تأتي من حجم المال، بل من الطريقة التي يُكتسب ويجمع بها.
و اليوم، فقد تنوعت و تغيرت طرق الأعمال، وتبدلت الأدوات، واتسعت الفرص ، لم يعد الشاب بحاجة إلى أن يكون حمالي أو ينقل الرمل أو الطابوق والكنكري ، ليكسب رزقه، فقد أصبح العالم كله في هاتفه المحمول ، يستطيع أن يتعلم الكثير من المهن ، و المهارات ، كالنجارة ، الخط العربي ، صناعة التذكارات ، التطريز ، الفخار ، الحياكة ، الخياطة ، التصميم، البرمجة، التصوير، طاهي ، المونتاج، التسويق الرقمي، صناعة المحتوى، التجارة الالكترونية ، توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي، ويحول مهارته إلى مصدر دخل وهو في موقعه.
لقد تغيرت الوسائل والأدوات والثقافة ، لكن قيمة السعي لم تتغير ، وتغيرت المهن ، لكن قيمة العمل لم تتغير ، وتغير الزمن ، لكن الإنسان لا يزال يبني نفسه بالطريقة ذاتها ، بالاجتهاد، والصبر، والإصرار.
ولعل ما يحتاجه الأبناء اليوم ليس مزيداً من الرفاهية والترف ، بقدر ما يحتاجون إلى من يزرع فيهم الثقة بأنهم قادرون على صنع مستقبلهم بأيديهم، وأن أجمل شعور يمكن أن يعيشه الإنسان هو أن يحقق شيئاً كان ثمرة جهده وتعبه،
وإن أجمل ما تركه كثير من آبائنا ! تلك المبادئ البسيطة التي غرست في النفوس ! معنى الاعتماد على النفس، وحب العمل، واحترام التعب، والشعور بقيمة الإنجاز ، وربما لهذا السبب، ما زالت الكلمتان ، رغم مرور أكثر من خمسة عقود، تختصران فلسفة تربية جيل كامل:
«روح اشتغل.»
لم تكونا مجرد دعوة إلى العمل ،
بل كانتا دعوة إلى تقدير السعي والكد و الكرامة و الحياة.



