05 , يوليو 2026

القطيف اليوم

حكوا لك عن جدَّك؟

الكثير من أبناء جيلي لم يسعدوا بلقاء أجدادهم. أنا سمعتُ عن جدي القليل ولم أر صورته. كان يسعدني كثيرًا لو رأيتُ صورته وسمعت صوته وقرأت رسائله وعرفت شخصيته. عندما أدخل بيوت الأصدقاء وأرى صور أجدادهم، "راعي البيت" معلقةً على الحائط، أشتاق لو كان عندي صورة أعلقها وأحكي لأبنائي وأحفادي عنه.

أنتَ اليوم ما من داعٍ أن تحرم أحفادكَ ومن بعدهم من هذه الأمنية الجميلة. من السهل أن ترسل لأحفادك صوتك، صورتك، تشاركهم ذكرياتك، كل ذلك وأكثر بواسطة آلة التصوير التي تحملها في يدك ٢٤ ساعة في اليوم!

الق نظرة كيف نسيء استعمال هذه التقنيات الجميلة! نفضح أسرار بيوتنا، نفضح خصوصيات الآخرين، يصيبك العجب مما ينشر الناس، من مقاطع مصورة! ثم نغفل عن الأشياء المهمة والناس المهمين في حياتنا، وكأنهم غير موجودين!

العيب ليس في آلة التصوير، إنما فينا، في سوء الاستخدام. بدلًا من أن نوجه مهاراتنا والتقنية نحو الفنّ والتاريخ والإبداع والبناء، وظّفناها واستثمرنَاها في الهدمِ والضرر!

الله يرحم تلك الأيام! في طفولتنا لم يوجد سوى دكان صغير واحد للتصوير في جزيرة تاروت، "عكس" أو صورة شمسية، بلونين أبيض وأسود، ننتظرها أسبوعًا كاملًا ثم نأخذها كما هي دون شكوى، جيدة أم سيئة!

تخيل حفيدك بعد خمسين سنة يسأل: جدي لماذا لم تترك لي شيئًا؟ أنت صورتَ كل هذه المقاطع والمهازل السخيفة ولم تهتمّ بما هو أهم؟ لماذا؟ تخيل حفيدك، أو حفيدتك، تكون واحدة من المبدعين و تحكي حكايتها وفيها صورتك، صورة جدها!

غاية المرام: لا تجعل آلة التصويرة أداة هدم ولا حتى أداةً حيادية! يمكنك أن تجعلها أداةً قيمة في تصوير وتسجيل الذكريات. متع أحفادك ومن بعدهم ببعض من ذكرياتك، أحكِ لهم عنك، كيف عشت؟ من أنت؟ وثق لهم وصاياك بالصوت والصورة! كلنا نموت وتبقى الذكريات. أحكيها لهم مرة وحتى عشر مرات، حتى لو لم تكن من المشاهير.

بعد مرور سنوات العمر نعود لذكرى أيام وسنوات خلت، فيها أناس عرفناهم وأماكن زرناها ولم يبق من الذكرى سوى صورها. تذهب الذاكرة في تيه الزمان فما يعيدها إلى واقعها سوى الصورة، الصورة القديمة. 

تحية لكل الأجداد والجدات الذين يورثونَ لأحفادهم الذكرى الجميلة والقيم النبيلة. يقال أن الحفيدَ يسمع من جدّه ويأخذ عنه أكثر من أبيه. تحية لمن يعرف قيمةَ الصورة والتاريخ. تحية لمن يوظف الكاميرا فيما صُنعت له.

حذار فقد تكون الكاميرا، الآلة الجميلة، أداةً للشيطان يدخل من عدستها الصغيرة إلى عالمنا الكبير ويفسده. هذه الآلة الساحرة تستطيع الدخول دون ضجيج إلى أماكننا الخاصة فإما أن تسعدنا بحضورها أو تفسد المشهد. كل شيء -  تقريبًا - له وجهان، وجه جميل وآخر قبيح. نعم لوجه الكاميرا الجميل، أما الوجه القبيح فلا مرحى به!


error: المحتوي محمي