05 , يوليو 2026

القطيف اليوم

مدمنو العمل: النجاح الذي يستنزف صاحبه

العمل قيمة عظيمة، وركيزة أساسية في بناء حياة الإنسان؛ به يعمر الأرض، ويكسب رزقه، ويحفظ كرامته، ويؤمّن احتياجات أسرته، ويسهم في نهضة المجتمع وتقدمه. ولذلك حثّت الشرائع والعقول السليمة على الجدّ والإتقان في العمل.

لكن لكل فضيلة حدًّا، فإذا تجاوز الإنسان الاعتدال تحوّلت إلى عبء. ومن هنا يظهر ما يُعرف اليوم بـ إدمان العمل، حين يتحول الإنجاز إلى استنزاف، ويصبح العمل غاية تلتهم الوقت والطاقة على حساب صحة الإنسان وحياته الأسرية والنفسية.

فالإنسان ليس آلة لا تتوقف، بل كائن محدود الطاقة يحتاج إلى راحة ونوم كافٍ، وتواصل أسري، وتجديد للنشاط. لذلك ينبغي أن يكون العمل ضمن حدود القدرة، مع تنظيم الوقت وأخذ فترات راحة منتظمة، وإجازة أسبوعية تعيد التوازن للجسد والعقل، حتى مع القدرة على الاستمرار.

ومن الأمثلة على ذلك: شاب مهندس يُدعى “محمود”، كان يتمتع بالحيوية والطموح، فبدأ عمله في إحدى الشركات بساعات طويلة تتراوح بين 12 إلى 14 ساعة يوميًا، وكان يواصل أحيانًا العمل في عطلة نهاية الأسبوع. واستمر على هذا النمط قرابة سنة ونصف، مدفوعًا بالحماس ورغبة الإنجاز، ثم بدأ تدريجيًا يشعر بإرهاق متصاعد، وضعف في التركيز، وتعب مستمر، حتى تراجع أداؤه رغم ما كان يتمتع به سابقًا من قوة ونشاط.

وقد أثبتت التجارب أن العمل دون فترات راحة كافية ينعكس سلبًا على الصحة النفسية والجسدية، ويزيد من التوتر والإرهاق، ويؤثر في العلاقات الأسرية والاجتماعية، وقد يؤدي في النهاية إلى تراجع الإنتاجية بدلًا من زيادتها.

ويصادف الخامس من يوليو من كل عام اليوم العالمي لمدمني العمل، وهو مناسبة تهدف إلى تسليط الضوء على خطورة الهوس المهني، وتذكير الأفراد بأهمية تحقيق توازن صحي بين العمل والحياة الشخصية والأسرية، وتجنب الآثار الصحية والنفسية الناتجة عن الإرهاق المستمر.

إن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد ساعات العمل، بل بقدرته على الجمع بين الإنجاز والتوازن، وبين الطموح وحقوق النفس والأسرة. فالتوازن ليس تقليلًا من قيمة العمل، بل هو شرط للاستمرار فيه بكفاءة واستقرار.

فالراحة ليست ترفًا، بل ضرورة، وإعادة التوازن ليست توقفًا، بل استعادة للقوة، تُمكّن الإنسان من مواصلة طريقه بعطاءٍ أطول وأجمل.


error: المحتوي محمي