04 , يوليو 2026

القطيف اليوم

لماذا نشم أطفالنا؟ السر الذي اكتشفه العلم وعرفته الفطرة

لماذا نقرّب أطفالنا من وجوهنا ونشمّهم دون شعور أو تكلّف؟ وما السر الذي يجعل رائحة طفل صغير تبعث في القلب سكينة؟

إنها ليست عادة عابرة، بل سلوك فطري أودعه الله في الإنسان، يحمل معاني الرحمة والارتباط، ويكشف عن واحدة من أعمق العلاقات الإنسانية بين الوالدين وطفلهما.

فالأم تجد في رائحة طفلها راحة خاصة، وكأنها تستمد منها طمأنينة، ويشاركها كثير من الآباء هذا الشعور، وإن كانت الأم أكثر التصاقًا به بحكم الحمل والولادة والرضاعة.

وتشير دراسات علم الأعصاب إلى أن رائحة الطفل، ولا سيما في أشهره الأولى، تنشّط مناطق في الدماغ مرتبطة بالمكافأة والارتباط العاطفي، ويُعتقد أن هرمون الأوكسيتوسين يؤدي دورًا مهمًا في تعزيز مشاعر الحب والسكينة بين الوالدين وطفلهما. ولهذا فإن احتضان الطفل وشمّ رائحته ليس مجرد حركة تلقائية، بل تجربة وجدانية تترك أثرًا نفسيًا مريحًا لدى الطرفين.

ومن المشاهد التي تتكرر في كثير من الأسر أن الطفل الصغير، إذا ابتعدت عنه أمه بسبب سفر أو وفاة، قد يكثر بكاؤه، ويبدو عليه القلق، وقد تقل شهيته للطعام، وربما تظهر عليه أحيانًا أعراض بسيطة، مثل اضطراب النوم أو ارتفاع طفيف في درجة الحرارة، ويختلف ذلك بحسب عمره وشدة تعلقه بها.

ولهذا تلجأ بعض الأسر إلى وضع قطعة من ملابس الأم بالقرب من الطفل أو تحت وسادته، لما تحمله من رائحتها المألوفة، فيهدأ بعض الأطفال وتتحسن حالتهم النفسية، وكأن الرائحة تمنحهم إحساسًا بقربها. وكذلك قد يحدث أمر مشابه مع بعض الأطفال شديدي التعلّق بآبائهم، إذ قد يمنحهم وجود قطعة من ملابس الأب شيئًا من الطمأنينة. وهذه ملاحظات متداولة، وقد تختلف من طفل إلى آخر، ولا تُغني عن مراجعة الطبيب إذا ظهرت أعراض مقلقة.

ومن الملاحظ أيضًا أن الطفل غالبًا ما يهدأ عندما يُحتضن، وكأنه يعود إلى موطن الأمان الأول، فتخف توتراته ويستقر بكاؤه. وفي المقابل، يشعر الأب والأم براحة نفسية، وقد تعيد الأم هذا السلوك مرات كثيرة في اليوم دون ملل، بدافع فطري يشبه الحاجة إلى احتضان صغيرها.

والعلم يفسّر جانبًا من هذه الظاهرة، لكنه لا يحيط بكل أسرارها. فبعض الروابط الإنسانية أعمق من أن تُختزل في تفسير عصبي أو هرموني، ويبقى فيها من الأسرار ما لا يعلمه إلا الله.

وليس هذا السلوك خاصًا بالإنسان، بل يظهر أيضًا عند كثير من الثدييات التي تعتمد على الرائحة في التعرف إلى صغارها وتقوية روابط الأمومة والحماية، مما يدل على أن للرائحة دورًا فطريًا في حفظ الحياة وبناء الارتباط.

ولعل هذا من مظاهر رحمة الله التي أودعها في قلوب الوالدين، لتبقى علاقة الطفل بوالديه محفوظة بأسباب ظاهرة وأخرى خفية.

إن شمّ الطفل ليس عادة عابرة، بل لغة حب صامتة تختصر الرحمة في أنقى صورها. إنها لغة لا تُتعلَّم، بل تُولد معنا، وتبقى أصدق من الكلمات. وفي لحظة احتضان، يلتقي الأمان بالحب، ليبقى الطفل مطمئنًا في حضن والديه، ويبقى الوالدان أسيرين لسعادة لا تشبه سواها.


error: المحتوي محمي