03 , يوليو 2026

القطيف اليوم

العجينةُ الأُولى

خرجنا إلى الدنيا بلا شيء.

لا ثوبًا يسترنا ولا اسمًا اخترناه ولا رأيًا دافعنا عنهأو أبديناه ولا قلبًا أتعبته الخيبات.

خرجنا كما أرادنا الله.

ثم بكينا.

ولا أدري…

كلما تقدمت بي الأيام.. راودني خاطر لا يفارقني.

هل كان ذلك البكاء بداية الفراق؟

فمنذ تلك اللحظة بدأت الدنيا تأخذ بيدنا.

تعلمنا أسماء الأشياء وكيف نعيش وكيف ننجح وكيف نكسب.. ومضت الأيام تترك فينا أشياء لم نشعر بدخولها حتى صار أحدنا يعرف الناس أكثر مما يعرف نفسه.. ويعرف كيف يرضي الآخرين ويعجز أحيانًا عن إرضاء ضميره.

قبل أيام كنت أراجع يومي ولم أكن أبحث عن خطأ ارتكبته ولا عن عمل أحسنت فيه إذ كنت أفتش عن شيء آخر.

شعرت أن بيني وبين نفسي الأولى مسافة لا أذكر متى بدأت فقلت لها..

كيف أعيد حياتي إلى نقطة الصفر؟

كيف أعيدها إلى الفطرة؟

كيف أعيدها إلى العجينة الأولى؟

ولم أكن أقصد أن أعود طفلًا.. فالطفولة عمر وقد مضى.

كنت أريد ذلك الإنسان الذي كان يسكن الطفل.

ذلك الذي كان يعرف الخير قبل أن يتعلم كثرة التبرير.. ويعتذر إذا أخطأ قبل أن يبحث لنفسه عن عذر.. مطمئن قبل أن يثقل قلبه بكل هذه الحسابات والأمور والتبعات.

وأحسب أن أكثر ما أرهقنا في الحياة أننا انشغلنا ببناء أنفسنا ونسينا أن نسأل .. هل ما نبنيه نحن فعلًا في اتجاه سليم؟

فكم من شيء نظنه من شخصيتنا وهو ليس إلا أثر تركته الأيام.. ومن خُلُق غادرنا دون أن نحس به حتى اعتدنا غيابه.

كل ذلك يحدث من غير أن نشعر حتى نلتفت يومًا فنجد أن بيننا وبين أنفسنا الأولى مسافة طويلة.

وكلما تقدمت بي الأيام.. صار يشغلني سؤال واحد أكثر من أي سؤال.

عندما أقف بين يدي الله…

أيُّ عجينة سأحملها معي؟

أالعجينة التي خرجت بها إلى الدنيا…

أم العجينة التي صنعتها لي الدنيا؟


error: المحتوي محمي